العودة   شبكة و منتديات التاريخ العام ۞ قسم الدراسات والأبحاث ۞ ۞ القسم التعليمي ۞
۞ القسم التعليمي ۞ يختص بتلقي اسئلة طلبة وطالبات المراحل التعليمية قبل الجامعية الخاصة بمادة التاريخ للرد عليها من الاستاذة مجد الغد
 

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 25-12-2011, 07:22 PM
الصورة الرمزية مجد الغد
 

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  مجد الغد غير متواجد حالياً
 
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  2
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,153 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough
افتراضي غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم

في ميدان المعركة

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلةإنها ساعة الصفر، الجيشان أمام بعضهما.

قام رجل من المشركين اسمه الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وأقسم أن يشرب من حوض المسلمين أو ليموتَنَّ دونه.

انظر كيف يمكن أن يكون حجم الضلال، كفاح وتضحية واستعداد للموت من أجل قضية فاسدة {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا} [فاطر: 8].

وقام الرجل ليبرَّ بقسمه، لكن قابله الأسد حمزة بن عبد المطلب وضربه ضربة قطعت ساقه، ومع ذلك -سبحان الله- فقد كان الرجل مصرًّا على الوفاء بقسمه، وزحف على الأرض ليصل إلى ماء بدر، لكن حمزة أدركه وقتله قبل أن يصل إلى مراده.

كانت هذه نقطة مهمة جدًّا لصالح المسلمين، وليس المهم مَن هذا الشخص الذي قتل، ولكن المهم أن هذا حدث في أول دقيقة من المعركة، فكان هذا توفيقًا كبيرًا من رب العالمين، رفع معنويات المسلمين، وأحبط معنويات الكافرين.

المبارزة قبل المعركة

تحرك الغيظ في قلوب زعماء الكفر.

فنهض ثلاثة من الزعماء بأنفسهم يطلبون المبارزة مع ثلاثة من المسلمين، وكانت هذه عادة في الحروب القديمة، أن يتبارز أفراد قلائل كنوع من الاستعراض، ثم يبدأ الهجوم العام الشامل بعد ذلك.

من الذي قام من الكفار؟ أمر عجيب.

لقد قام ثلاثة من عائلة واحدة!

قام عتبة بن ربيعة القائد القرشي الكبير، وقام أخوه شيبة بن ربيعة القائد القرشي الكبير أيضًا، وقام ابن أخيه الوليد بن عتبة أحد فرسان قريش المشهورين.

هذه مجموعة من أفضل فرسان مكة.

لكن العجيب الذي يلفت النظر هو قيام عتبة بن ربيعة.

عتبة بن ربيعة كان من الحكماء المعدودين في قريش، وكان من أصحاب الرأي السديد في أمور كثيرة، وكان يدعو قريشًا أن تخلي بين رسول اللهوبين العرب، ولا يقاتلوه، وكان يقول إن هذا الرجل ليس بشاعر ولا كاهن ولا ساحر ولا بكاذب، وكان يرفض فكرة القتال في بدر بعد إفلات القافلة، وكان إلى آخر لحظة يجادل المشركين في قضية القتال، لدرجة أن الرسولنظر إليه من بعيد قبل بدء المعركة، وكان عتبة يركب جملاً أحمر، فقاللأصحابه: "إِنْ يَكُنْ فِي أَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ خَيْرٌ، فَعِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الأَحْمَرِ، إِنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدُوا"[1].

لكن القوم لم يطيعوه، وأصرُّوا على القتال.

وللأسف الشديد! دخل عتبة معهم المعركة ولم يرجع كالأخنس بن شريق. وللعجب الشديد، خرج في أول من خرج للمبارزة والقتال.

لقد كان عتبة بن ربيعة مصابًا بمرض الإمَّعِيَّة.

حكيم في الرأي، ولكن يسير مع الناس، إذا أحسنوا أحسن، وإذا أساءوا أساء، ضعيف الشخصية، مهزوز، متردد.

وهذا الذي أَرْداه فأصبح من الخاسرين. وهذا النموذج نراه كثيرًا: أشخاص ذوو رأي سديد، تُعقد عليهم الآمال في تغيير مَن حولهم، ولكنهم يخيبون تلك الآمال، ويسيرون مع التيار؛ فيهلكون.

خرج الفرسان الثلاثة يطلبون القتال، فخرج لهم ثلاثة من شباب الأنصار.

لكن الفرسان المشركين قالوا: لا حاجة لنا بكم، إنما نريد أبناء عمِّنا.

نريد قتالاً قرشيًّا قرشيًّا.

فقال رسول الله:

قم يا عبيدة بن الحارث (عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ابن عمه).

قم يا حمزة (عمه).

قم يا علي بن أبي طالب (ابن عمه).

وانتبهوا لهذا الاختيار، كلهم من الأقربين، مع أن القتال خطير، لكن القائد وعائلته يعيشون حياة الناس تمامًا، ويتعرضون لكل مشاكل الأمة، وفي أوائل المضحين والمجاهدين.

وبدأت المبارزة!

يوجد اختلاف في الروايات حول مَن بارز مَن؟ لكن رواية أحمد وأبي داود تقول: إن علي بن أبي طالب بارز شيبة، وإن حمزة بارز عتبة، وإن عبيدة بن الحارث بارز الوليد بن عتبة[2].

والتقت السيوف، واحتدم الصراع، وارتفعت الآهات، ثم بدأت الدماء تسيل بل تتساقط الأشلاء.

دقائق معدودة وانتهت الجولة الأولى من الصراع، ومرة ثانية لصالح المسلمين.

الله أكبر، ولله الحمد!

علي بن أبي طالب قتل شيبة.

وحمزة بن عبد المطلب قتل عتبة، لم تنفع عتبةَ حكمتُه.

وأصيب عبيدة والوليد بإصابات بالغة، فانطلق عليٌّ وحمزة على الوليد بن عتبة فقتلاه، وحملا عبيدة إلى معسكر المسلمين.

في أول وقود للمعركة أربعة قتلى للمشركين.

واشتعلت أرض بدر بالقتال.

هجوم شامل كاسح في كل المواقع.

صيحات المسلمين ترتفع بشعارهم في ذلك اليوم: أَحَدٌ أَحَد.

صليل السيوف في كل مكان، والغبار غطَّى كل شيء.

الصدام المروع الذي يحدث للمرة الأولى بين المسلمين والكافرين.

التربية بالجنة

ومع كل الحماسة التي كان المسلمون فيها إلا أنهم ما زالوا في حاجة للتشجيع والتحفيز أكثر وأكثر؛ لأن الموقف صعب، بل غاية في الصعوبة، هنا يأتي دور التحفيز بشيء، ليس هناك مؤمن واعٍ فاهم يكسل أو يتعب عندما يسمعه.

جاء وقت التذكير بالجنة.

رفع رسول اللهصوته ليُسمِع الجميع: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يُقَاتِلُهُمُ الْيَوْمَ رَجُلٌ، فَيُقْتَلُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ إَلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ"[3].

الكلام عجيب، هذا الكلام لا يمكن أن يفهمه علماني، ولا يمكن أن يفهمه كافر أو فاسق.

الكلام عجيب؛ لأن الرسوللم يحفز الناس على الدفاع عن حياتهم، بل حفزهم على فَقْد حياتهم.

يا الله! انتبه لهذا القول: "لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا".

من كان يعيش لدنيا، وقُتِل فَقَدَ كل شيء.

لكن من كان فاهمًا لمعنى الجنة سيكون للقتل عنده معنى آخر، ولكن الجنة ليست على الأرض.

الجنة تأتي بعد الموت، يعني الموت هو الحاجز الوحيد بين الشهيد الذي يقتل في أرض القتال، وبين الجنة.

الموت هو الحاجز الوحيد لو عبرناه دخلنا الجنة.

الشهيد يدخل الجنة بغير حساب.

فلو جاء الموت صِرْنا من أهل الجنة. إذن يا ليت الموت يأتي.

سبحان الله!

الموت المكروه عند عامَّة البشر، يصبح أمنية بل أسمى الأماني لمن فَقِه حقيقة الجنة.

- "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ". رواه البخاري عن أبي هريرة.

- وروى البخاري ومسلم عن أنس t قال: قال رسول الله: "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ أَوْ مَوْضِعُ قَدِّهِ (سوطه) فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَمَلأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا (ما بين السماء والأرض أو ما بين المشرق والمغرب)، وَلَنَصِيفُهَا (خمارها) عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".

لا يمكن للإنسان أن يكون عنده يقين في هذا الكلام؛ ثم لا يشتاق إليه.

لذلك فالجيش المنصور جيش يحب الموت فعلاً.

كلمة خالد بن الوليد المشهورة التي ذكَّرناكم بها قبل ذلك: "جئتكم برجال يحبون الموت، كما تحبون أنتم الحياة".

وعندما تكلم الرسول عن الأمة المهزومة ذكر من صفاتها الوَهْن.

فسُئل: وما الوهن؟

فقال: "حبُّ الدنيا، وكراهيةُ الموت"[4].

فلو وُجِد هذا في نفوس الأمة هُزِمَت، ولو أحبت الأمة الموت وُهِبَت النصر، ووهبت الجنة.

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الراحل كان يقول تعليقًا على اتهام اليهود له بعدم القدرة على السيطرة على حماس والجهاد؛ قال: أتحدى أيَّ جهاز مخابرات في العالم يقاوم أُناسًا يريدون أن يموتوا.

كلام في منتهى الدقة.

حقًّا من المستحيل أن تقاتل إنسانًا يريد أن يموت.

بم ستخيفه؟ هل ستقول له: سأقتلك؟

هذا هو ما يريده. بل هو خائف ألا يموت.

هل منا من يريد أن يموت؟!

يتمنى الموت؟!

يبحث عن الموت؟!

هل منا أحد جاهز للموت؟!

كتب وصيته؟!

يفكر في يوم يموت فيه في سبيل الله؟!

لو أنك لا تتمناها ولا تبحث عنها، فأنت لا تعرف الجنة.

هذا الكلام ليس كئيبًا، ولا حزينًا.

الكئيب فعلاً أن تقف يوم القيامة تنتظر الحساب يومًا واثنين، وسنة واثنتين، وأنت ترى الشهداء حولك يُسرِعون إلى الجنة من غير حساب.

ولا تقل: أين الجهاد؟ وأين القتال؟

المسألة مسألة صدق، ومسألة نيَّة.

تريد أم لا تريد؟

لو أردت ستنال الأجر، وتدخل الجنة وإن متَّ على فراشك.

"مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ"[5].

ولو لم تُرِدْ فلن تنال أجر الشهادة، حتى لو فُتِحَ لك ألف باب للجهاد.

المسألة إنما هي صدق النية مع الله تعالى.
رد مع اقتباس
قديم 25-12-2011, 07:24 PM   رقم المشاركة : ( 2 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,153 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم

من مواقف الصحابة في بدر
موقف عمير بن الحمام في بدر
انظروا، ماذا فعلت الجنة في الصحابة في بدر.


عمير بن الحمام t يقف بجانب الرسول، والرسوليقول: "قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَواتُ وَالأَرْضُ".


كم مرة سمعنا هذه الكلمات؟


كثيرًا.


كم مرة عملنا لها؟


قليلاً.


عمير بن الحمام سمع هذه الكلمة، فقال متعجبًا: عرضها السموات والأرض!!


الإنسان منا يكافح سنين طوالاً لكي يصبح عنده شقة، أو سيارة، أو بعض الأموال، أو بعض السلطات.


كل هذا لا يمثل واحدًا على مليون مليون من الأرض.


فكيف بالجنة التي عرضها السموات والأرض؟! ما شكلها؟!


عمير يتعجب: عرضها السموات والأرض!


قال: "نَعَمْ".


سبحان الله! هكذا في منتهى الإيجاز.


لا شرح ولا تفصيل.


وعمير بن الحمام t يتلقى بمنتهى اليقين، لا جدال، لا محاورة.


قال عمير: بَخٍ بَخٍ (كلمة للتعجب).


قال له: "مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟"


ممَّ تتعجب؟ أتشك في هذا الكلام؟


أسرع عمير يقول: لا والله يا رسول الله، ما قلتها إلا رجاء أن أكون من أهلها.


قال: "فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا".


يا الله!


عمير يعلم أنه من أهل الجنة، وهو ما زال يمشي على الأرض، أرض بدر.


بينه وبين الجنة فقط أن يموت.


لم يعُدْ قادرًا أن يعيش لحظة واحدة على الأرض.


كان يمسك بيديه بعض تمرات يتقوَّى بها على القتال.


وبعدها فكَّر.


أيُّ تمرٍ هذا الذي أريد أن آكله؟!


أين ثمار الجنة، وطيور الجنة، وشراب الجنة، وحوض الرسولفي الجنة؟


فألقى بالتمرات على الأرض، وقال كلمة عجيبة؛ قال:" لئن أنا حييتُ حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة"[6].


أَكْلُ التمرات حياة طويلة!!


هل سأنتظر ثلاث أو أربع دقائق آكل فيها التمر؟ هذا كثير.


ألقى بنفسه وسط الجموع الكافرة.


استشهد، دخل الجنة، هو -يقينًا- في الجنة.


أليس هذا كلام الرسول"لاَ يُقَاتِلُهُمُ الْيَوْمَ رَجُلٌ؛ فَيُقْتَلُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ"؟!


ثم إنه قالها تصريحًا لعمير بن الحمام، قال: "فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا".


أهل الدنيا، طلاب الدنيا يظنون أن عميرًا خسر، مات في عزِّ شبابه كما يقولون، لم يستمتع بحياته، لكن المقاييس الصحيحة ليست هكذا.


روى الترمذي -وقال: حسن صحيح- عن كعب بن مالك t قال: قال رسول الله:


"إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَعْلَقُ[7] مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ"[8].


موقف عمير بن أبي وقاص
- عمير بن أبي وقاص شاب لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، في تعريف منظمة الصحة العالمية طفل (الأطفال في تعريفهم أقل من 18 سنة).


وفي تعريف القيم والأخلاق والمبادئ والعقائد من سادة الرجال.


تقدم وهو في هذه السن الصغيرة؛ ليجاهد مع المجاهدين في بدر، لكنه كان خائفًا.


من أيِّ شيء كان خائفًا؟ هل يخاف أن يموت؟ لا، بل يخاف ألا يموت.


يخاف أن يرده الرسول؛ لأنه ما زال صغيرًا.


أخذ يتوارى بين القوم حتى لا يراه الرسولفيرده.


رآه أخوه المجاهد العظيم سعد بن أبي وقاص t.


فقال له: ما يحملك على هذا؟


قال: أخاف أن يراني رسول اللهفيستصغرني ويردني، وأنا أحب الخروج؛ لعل الله أن يرزقني الشهادة.


رآه الرسول، فأشفق عليه من القتال، وردَّه.


بكى عمير t؛ فستضيع عليه فرصة الموت في سبيل الله.


ولكن رقَّ له رسول الله، وسمح له بالجهاد[9].


جاهد، اشتاق بصدق للشهادة، استشهد، دخل الجنة.


فَهِم عمير بن أبي وقاصt وهو لم يُكَلَّفْ إلا منذ سنتين أو ثلاث، وهو لم يبلغ السادسة عشرة من عمره، ما يعجز عن فهمه أشياخ وحكماء وعباقرة.


الجنة!


منهج تربوي إصلاحي واقعي، لا يرقى إليه أيّ منهج من مناهج الدنيا.


موقف عوف بن الحارث
- عوف بن الحارث t سأل رسول الله: يا رسول الله، ما يُضحك الرب من عبده؟ قال: "غَمْسُهُ يَدَهُ فِي الْعَدُوِّ حَاسِرًا"[10].


هنا ألقى عوف درعه وقاتل حاسرًا.


هذا الفعل يلقي الرعب في قلوب العدو؛ لأنه يعبر عن إنسان لا يهاب الموت بل يطلبه.


قاتل عوف وقاتل وقاتل، حتى قُتِل، اُسْتُشهد، دخل الجنة.


موضوع الجنة لم يغب أبدًا عن أذهان الصحابة y؛ لذلك انتصروا.


من قبل أن يأتي الجيش بدرًا وهو يبحث عن الجنة.


وفي أرض بدر يبحث عن الجنة.


وبعد بدر يسأل عن الجنة.


موقف سعد بن خيثمة وأبوه خيثمة
- قبل الخروج إلى بدر سعد بن خيثمة وأبوه خيثمة.


الاثنان يريدان أن يخرجا للجهاد في بدر، لكن عندهما بنات كثيرات، ولا بد أن يخرج أحدهما، بينما يبقى الآخر ليرعى البنات.


الاثنان يريدان أن يخرجا، الاثنان طالبان للجنة بصدق، لم يرضَ أحدهما بالتنازل، فقررا إجراء قرعة، فخرج سهم الابن سعد بن خيثمة، تحسَّر أبوه، تحسر حسرة حقيقية، فقال لابنه برجاء: يا بُنيَّ، آثرني اليوم. دعني أخرج، فَضّلني على نفسك، أنا أبوك؛ لكن سعدًا t ردَّ بجواب يفسر قصة الجيش المنصور، قال في أدب: يا أبتِ، لو كان غير الجنة فعلت[11].


أيُّ شيء في الدنيا يمكن أن أتنازل عنه لك، إلا الجنة.


وإلا فلماذا أحيا أنا في هذه الدنيا، لو لم يكن للحصول على الجنة؟


لا يمكن أن أضيع هذه الفرصة.


وخرج سعد بن خيثمة بهذه الروح، وهذا الصدق.


وقاتل سعد بن خيثمة، واستشهد، ودخل الجنة التي يريد.


اللطيف والجميل أن خيثمة أبوه، خرج في (غزوة أُحُد) بعد بدر بسنة، واستشهد أيضًا، أترون الصدق؟


وحتى بعد بدر، كل الناس يسألون عن الجنة.


الشعب كله طالبٌ الجنة.


موقف أم حارث بن سراقة
- أم حارثة بن سراقة استشهد ابنها حارثة في بدر، شاب صغير مات مقتولاً في مثل هذا الموقف، تطيش عقول، وتضطرب أفئدة، ويتزلزل رجال ونساء.


لكن أم حارثة جاءت تسأل عن شيءٍ محدَّد.


يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى تَرَ ما أصنع.


أهمُّ أمرٍ بعد الموت: جنة أم نار؟ هذا هو المفروض أن يشغلنا.


فقال لها رسول الله:


"يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى"[12].


الله أكبر! لماذا؟ لأنه مات صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر.


استراحت أم حارثة، تقبلت أمر موت ابنها الشاب ببساطة وبصبر وباحتساب، بل بسعادة؛ لأن من يحب أحدًا يحب له الخير. ولا خير أحسن من الجنة.


هؤلاء هم أهل بدر، صفاتهم الجميلة كثيرة، لكن أهمها أنهم جيش مؤمن فعلاً، مؤمن بالله، ومؤمن بالرسول، ومؤمن بالجنة، ومن غير الإيمان مستحيل أن يكون هناك نصر.


حب الجنة منهج تربوي
صورة لحديقة معبر عن الجنة ومكتوب "حب الجنة منهج تربوي"


هذا الكلام لا نقوله كنوع من الترف الفكري، أو القصص التاريخي الذي ليس له واقع في حياة الناس.


هذا الكلام نريد أن يصبح منهج حياتنا، منهج تربية الأطفال والرجال والنساء، منهج تربية الشعب كله.


وبدونه لا توجد فرصة إصلاح.


دعكم من مناهج الشرق والغرب، ومناهج الإصلاح الوهمية المبنية في الأساس على طلب الدنيا وبأيِّ وسيلة.


هذه المناهج لا تُورِث إلا كآبةً وتعاسةً في الدنيا، وشقاءً وذلاًّ في الآخرة.


إياكم أن تظنوا أن الغرب والشرق من أصحاب المال والسلطة والجاه والملك يعيشون في سعادة.


أبدًا!!


فمَنْ يفقد منهم ماله ينتحر.


من يمت له ابن أو حبيب يكتئب، وينعزل عن المجتمع.


من يتعرض لمصيبة تصبح نهاية العالم بالنسبة له. من وجد نفسه فقيرًا، أو من عائلة صغيرة، أو في وضعٍ اجتماعي متدنٍّ، فإنه يعيش معقَّدًا حاقدًا على المجتمع، حاسدًا لكل الأغنياء، ومن الممكن أن يصير سارقًا أو قاتلاً أو مرتشيًا أو فاسدًا، ويعيش حياة الإجرام.


روى الحاكم عن أنسٍ أن رجلاً أسود أتى النبي، فقال: يا رسول الله، إني رجل أسود، منتن الريح، قبيح الوجه، لا مال لي، فإن أنا قاتلت هؤلاء حتى أقتل، فأين أنا؟ قال: "فِي الْجَنَّةِ". فقاتل الرجل حتى قُتِل، فأتاه النبيفقال: "قَدْ بَيَّضَ اللَّهُ وَجْهَكَ، وَطَيَّبَ رِيحُكَ، وَأَكْثَرَ مَالَكَ". قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم[13].


أقلُّ أهل الجنة ملكًا له عشرة أمثال الدنيا، إذن لا مقارنة بين نعيم الجنة ومتاع الدنيا كلها.


الجنة فيها سلوى وتعويض لكل مؤمن فَقَدَ شيئًا من الدنيا.


الجنة فيها جزاء لكل من تعب، أو سهر، أو بذل مجهودًا في الإصلاح.


الجنة صبرَّت أم حارثة.


الجنة شجَّعت عمير بن الحمام، وعمير بن أبي وقاص، وسعد بن خيثمة، وحارثة بن سراقة. الجنة جعلت الحباب بن المنذر يقول رأيه لكي يفيد المسلمين.


الجنة جعلت المكروه محبوبًا، جعلت الموتَ مطلوبًا.


انظر ماذا قال الرسوللأصحابه ولنا:


"أَلاَ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لاَ خَطَرَ لَهَا (أي: لا مثل لها)، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، نُورٌ يَتَلأْلأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ، فِي مَقَامٍ أَبَدًا، فِي حَبْرَةٍ ونَضْرَةٍ، فِي دُورٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ".


الصحابة y لم يعودوا قادرين على الصبر على فراق الجنة.


قالو: يا رسول الله، نحن المشمرون لها.


قال: "قُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ".


ثم يقول الراوي أسامة بن زيد رضي الله عنهما: ثم ذكر الجهاد وحضَّ عليه[14].


إذن أعطاهم الرسولشيئًا عمليًّا يدخلون به الجنة. والحديث في صحيح ابن حبان وسنن ابن ماجه.


يوم تملأ الجنة علينا حياتنا بهذه الصورة.


يوم تصبح الجنة هدفًا واضحًا في تفكيرنا.


يوم تصبح الجنة في عقلنا عندما نأخذ قرارًا، أو نعمل عملاً، أو نقول كلمة، أو نضحك ضحكة، أو نسافر أو نقعد، أو نحب أو نكره.


يوم تصبح الجنة محرِّكًا لكل حياتنا.


ساعتها سنرى نصرًا كنصر بدر.


وساعتها سنرى تمكينًا وعزة وسيادة، كما حدث بعد بدر.


ونسأل الله أن يفقهنا في سننه.


د. راغب السرجاني


--------------------------------------------------------------------------------

[1] الهيثمي: مجمع الزوائد، تحقيق عبد الله الدرويش، دار الفكر، بيروت، 1994م، 6/99، رقم الحديث (9954). قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات.

[2] رواه أبو داود (2665)، وأحمد (948)، وصححه الألباني.

[3] ابن هشام: السيرة النبوية، القسم الأول (الجزء الأول والثاني) ص627.

[4] رواه أبو داود (4297)، وأحمد (22450)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (958).

[5] مسلم: كتاب الإمارة، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى (1909) ترقيم عبد الباقي، والنسائي (3162) ترقيم أبي غدة، وابن ماجه (2797) ترقيم عبد الباقي. قال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (6276) في صحيح الجامع.

[6] مسلم: كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد (1901)، وأحمد (12421). قال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (4426) في صحيح الجامع.

[7] تعلق: ترعى.

[8] رواه الترمذي (1641). قال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (1559) في صحيح الجامع.

[9] الواقدي: المغازي، تحقيق مارسدن جونس، عالم الكتب، بيروت، 1/21.

[10] ابن كثير: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة، بيروت، 1971م، 2/410.

[11] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1990م، 3/209، رقم الحديث (4866). وعلق عليه الذهبي في التلخيص فقال: مرسل وإسناده ضعيف.

[12] البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب من أتاه سهم غرب فقتله (2654) ترقيم البغا، والترمذي (3174) ترقيم أحمد شاكر، وأحمد (13767).

[13] الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1990م، 2/ 103، رقم الحديث (2463).

[14] رواه ابن ماجه (4332) ترقيم عبد الباقي، وابن حبان في صحيحه (7381) ترقيم شعيب الأرناءوط.

  رد مع اقتباس
قديم 25-12-2011, 07:27 PM   رقم المشاركة : ( 3 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,153 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم

تحدثنا عن مقدمات غزوة أحد والإعداد الجيد لجيش الكفار والذي وصل إلى ثلاثة آلاف مقاتل بعُدة جيدة وآلة الحرب.


وكذلك تحدثنا عن الإعداد الجيد للجيش المسلم وأن النبيخرج بألف من رجال المسلمين ولكن انسحب منه قبل أن يدخل أرض المعركة ثلاثمائة من المنافقين فأصبح الجيش سبعمائة من المسلمين.


وأيضا إلى جانب الإعداد الجيد توفرت صفات الجيش المنصور في الجيش المسلم الخارج إلى أحد من إيمان باللهوإيمان برسوله، ومن إيمان بالله واليوم الآخر وطلب الجنة ورغبة في الموت في سبيل الله ومن أخوة وأمل وشورى ومشاركة القائد لجنده، وغير ذلك من صفات الجيش المنصور التي تحدثنا عنها بالتفصيل عند حديثنا عن غزوة بدر.


آخر خطوات الإعداد للمعركة
ولما دخل النبيأرض أحد أحتل مواقع متميزة في أرض المعركة ووضع فرقة من الرماة على الثغرة الوحيدة الموجودة في أرض المعركة، وأكد عليهم مرارا عدم التخلي عن مواقعهم مهما كانت الظروف.


قاللعبد الله بن جبير قائد الرماة: "انْضَحْ عَنَّا الْخَيْلَ بِالنَّبْلِ لَا يَأْتُونَ مِنْ خَلْفِنَا، إِنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا فَاثْبُتْ مَكَانَكَ، لَا نُؤْتَيَنَّ مِنْ قِبَلِكَ".


ثم قال للرماة: "إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَوَطِئْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ".


فكانت الأوامر في منتهى الوضوح لا تفتح بابا للاجتهاد عند الرماة، كلها تحمل معنى واحدًا، وهو الثبات الثبات فوق جبل الرماة.


بدء القتال
وبدأ القتال وكان يوم السبت الموافق السابع من شوال بعد غزوة بدر بعام تقريبا.


وبدأ القتال في منتهى القوة والشراسة وأول ما بدء للقتال كان حول راية الكفار، وكما ذكرنا فراية الكفار كانت مع بني عبد الدار وكان أول من يحملها من بني عبد الدار طلحة بن أبي طلحة العبدري، وكان طلحة من أكبر وأعظم وأقوى فرسان قريش وكان يلقب بكبش الكتيبة وخرج ليطلب القتال وكان أول من طلب القتل من قريش وخرج وهو حامل الراية وعلى جمل وأحجم عنه المسلمون لما رأوا هيئته وقوة بأسه، وتقدم الزبير بن العوام الذي لم يكتف بقتاله بل قفز فوق جمل طلحة بن أبي طلحة وجذبه إلى الأرض وبرك فوقه وقتله، ولما رأىالزبير بن العوام يقتل كبش الكتيبة قال: "أَلَا إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ".


واشتد القتال بين الفريقين وتقدم عثمان بن أبي طلحة أخو طلحة بن أبي طلحة الذي قتله الزبير وطلب القتال وخرج له حمزة وقتله حمزة ثم خرج أخوهم الثالث أبو سعدة فقتله سعد بن أبي وقاص، ثم خرج مسافع بن طلحة بن أبي طلحة، ثم كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، ثم الجُلاس بن طلحة بن أبي طلحة، مجموعة كبيرة من بني عبد الدار وكانوا ستة من بيت واحد بيت أبي طلحة، وكانت مأساة بالنسبة لبيت أبي طلحة بن عبد الدار، وبرغم كل ما حدث في بيت أبي طلحة خرج من بني عبد الدار رجل آخر هو أرطأة بن شرحبيل، فقتله علي بن أبي طالب، ثم خرج شريح بن قارظ فقتله غلام أنصاري اسمه قزمان، ثم خرج عمرو بن عبد مناف فقتله أيضا قزمان، فخرج ابن شرحبيل بن هاشم، فقتله أيضا قزمان، وقد قاتل قزمان في ذلك اليوم قتالا شديدا.


وَقُتِل يومئذ عشرة من بني عبد الدار، وكلما قتل واحدًا منهم تسلم الراية رجلًا آخر لأنهم تعاهدوا مع أبي سفيان أن لا يتخلوا أبدًا عن الراية وصدقوا في عهدهم مع أبي سفيان، ثم خرج مولى لبني عبد الدار وكان اسمه صواب من الحبشة وقاتل قتالًا أشد من السابقين جميعًا قاتل حتى قطعت يده الأولى، ثم الثانية، ثم قطعت رأسه وهو يحمل الراية حتى سقط وبسقوط هذا الغلام الحادي عشر سقطت الراية المشركة ولم ترفع بعد ذلك.


واحتدم القتال بين الفريقين وكان شعار المسلمين في هذا اليوم أَمِتْ أَمِتْ وكانت بداية قوية بالنسبة للمسلمين فقد سقط إحدى عشر قتيلًا من المشركين مقابل لا شيء من المسلمين فكان النصر في البداية حليف المسلمين وانهارت معنويات الكفار، وارتفعت معنويات المسلمين إلى أعلى درجة، وبدأ يسيطر المسلمون على الموقف وقاتلوا بقوة وبضراوة شديدة.


أبو دجانة وسيف رسول الله
وكان من أبرز المقاتلين في ذلك الوقت سيدنا أبو دجانة وحمزة بن عبد المطلب، ولقد فعلا الأفاعيل بجيش المشركين.


وأبو دجانة هو الذي أخذ السيف من النبيلما قال: "مَنْ يَأْخُذ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ". وربط على رأسه عصابة حمراء وقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت. وجال في الأرض وقتل كثيرا من المشركين.


وكان الزبير بن العوام يجد في نفسه؛ لأن النبيأعطى السيف لأبي دجانة ولم يعطه له هو قال الزبير في نفسه: أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت إليه فسألته السيف قبل أبي دجانة فأعطاه له وتركني والله لأنظرن ما يصنع فاتبعته فرأيته وهو يقول:


أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل.


أن لا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول.


فيقول الزبير بن العوام فجعل لا يلقى أحد من المشركين إلا قتله.


وكان في المشركين رجل يقتل كل جريح مسلم، فيقول الزبير: فدعوت الله أن يجمع بينه وبين أبي دجانة. مع أن الزبير من كبار الفارسين، فاجتمعا فضرب ضربتين فضرب المشرك أبا دجانة، فاتقاه بدرقته أي بدرعه فعضت بسيفه، فضربه أبو دجانة فقتله.


واخترق أبو دجانة صفوف المشركين حتى وصل إلى صفوف النساء، ورأى أبو دجانة كما يقول: رأيت إنسانًا يخمش الناس خمشًا شديدًا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف وَلْوَل فإذا هو امرأة وكانت هند بنت عتبة فأكرمت سيف رسول اللهأن أضرب به امرأة.


حمزة بن عبد المطلب
قاتل حمزة قتالًا شديدًا كقتال أبو دجانة، وقاتل قتالًا شديدًا في كل الميادين لم يقف أبدًا في وجهه أحد من المشركين، لكن وقف في ظهره وحشي بن حرب أحد الغلمان في جيش المشركين.


ويحكي وحشي بن حرب قصته فيقول: كنت غلامًا لجبير بن مطعم، وكان عمه عدي قد أصيب يوم بدر فلما أجمعت قريش المسير إلى أحد قال لي جبير: إنك إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق، قال فخرجت مع الناس وكنت رجلًا حبشيًا أقذف بالحربة قذف الحبشة قلما أخطئ بها شيئًا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس هدًا ما يقوم له شيء، يقول وحشي: فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في ثنته (أي في أحشائه) حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوي فغُلب. وكان يريد قتل وحشي، ويقول وحشي: فتركته حتى مات، فأخذت حربتي فذهبت إلى العسكر فقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة وإنما قتلته لأعتق فلما قدمت مكة عتقت.


وحلت الكارثة على جيش المسلمين بقتل حمزة أسد الله وأسد رسوله.


ومع قتل حمزة وبرغم الخسارة الفادحة التي خسرها المسلمون ظل المسلمون مسيطرون على الموقف تمامًا في أرض أحد.


قاتل عامة المسلمين يومئذ قتالًا عظيمًا شديدًا قاتل أبو بكر وعمر وعلي والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وطلحة بن عبيد الله وعبد الله بن جحش وسعد بن معاذ كل المسلمين قاتلوا قتالًا شديدًا وأبلوا بلاءً حسنًا في ذلك اليوم.


محاولة خالد بن الوليد اختراق جيش المسلمين
كانت لخالد بن الوليد نظرة عسكرية ثاقبة وكان يومئذ مشركًا ورأى الثغرة التي يمكن له من خلالها أن يخترق جيش المسلمين والتف بفرقة كانت معه من فرسان المشركين حول جبل الرماة إلا أنه فوجئ بسيل من السهام من فوق الجبل من كتيبة الرماة التي وضعها النبيفوق الجبل فرَدّت خالد بن الوليد.


وما استطاع خالد بن الوليد بحنكته وذكائه أن يتجاوز تلك الكتيبة ويخترق خلف الجيش المسلم.


وكانت هذه المحاولة الأولى لخالد وكرر ذلك مرات عديدة إلا أنه في كل مرة ترده فرقة الرماة من فوق الجبل، وفشل سيدنا خالد في تجاوز فرقة الرماة التي كان قد وضعها النبيفوق الجبل.


نصر للمسلمين
وبدأت الهزيمة تدب في جيش المشركين ثلاثة آلاف مشرك وكأنهم يقابلون ثلاثين ألف مسلم برغم قلة المسلمين.


وبدأ المشركين يفكرون جديًا في الهرب وبدأوا يتراجعون إلى الوراء شيئًا فشيئًا ثم فروا قِبَل مكة تاركين النساء وراءهم حتى النساء هربن، ويقول الزبير بن العوام: لقد رأيت خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير.


فكان نصرا للجيش المسلم لا يقل روعة عن نصر بدر، يقول تعالى:


{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} ]آل عمران:152[.


وتحسونهم أي: تستأصلونهم.


والله تعالى قد وعد المؤمنين إن كانوا صادقين وصابرين ومتبعين للنبيأن يعطيهم النصر في أحد وفي غيرها.


والرسولبشرهم بذلك قبل الخروج إلى أحد وإلى هذه اللحظة المسلمون ملتزمون بما قاله النبيبما كانوا عليه يوم بدر لذا تحقق النصر حتى هذه اللحظة.


وبنظرة إلى الجيش الإسلامي نجد أنه إلى الآن مؤمن بالله تعالى مؤمن باليوم الآخر، يطلب الجنة، طَبّق الشورى، أعد الجيش إعدادًا جيدًا، حاسم، معتمد على الشباب، القائد في هذا الجيش يعيش مع شعبه ويشترك معهم في كل صغيرة وكبيرة، الأخوة في الله واضحة في المعركة، الأمل في قلوبهم، واليقين في نصر الله يملأ نفوسهم، الأمر موسد إلى أهله، والصفات العشر التي تحدثنا عنهم في غزوة بدر متحققين في جيش أحد إلى هذه اللحظة، والنصر حليف للمسلمين.


{مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ}


وبعد هذا الانتصار العظيم وبعد الهروب الكبير لجيش المشركين تخلى بعض المسلمين عن صفة واحدة من تلك الصفات العشر فتغير الموقف تمامًا.
  رد مع اقتباس
قديم 25-12-2011, 07:28 PM   رقم المشاركة : ( 4 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,153 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم

مجيء الأحزاب ومقاومتهم
وصل في شوال عام 5هـ إلى حدود المدينة المنورة عشرة آلاف مقاتل مشرك من قريش وغطفان وبني سليم وغيرهم، ولم يكتف رسول اللهبحفر الخندق، بل جمع الصحابة ثلاثة آلاف، ونظم نقاط الحراسة للخندق، وفرق للقتال، وكتائب للمقاومة، حتى يمنع المشركين من تخطي الخندق تحت أي ظرف.


وكان وقع المفاجأة مهولا على المشركين، إنها مكيدة ما عرفها العرب من قبل في فنون القتال، لقد أعدوا العدة لكل شيء، إلا أمر هذا الخندق المدهش.


بدأ المسلمون في رشق المشركين بالنبال لكي يمنعوهم من عبور الخندق أو ردمه، وحاول المشركون بكل ضراوة أن يقتحموا الخندق, ونجح بعضهم فعلا في العبور من مكان ضيق في الخندق بفرقة على رأسها أحد أبطالهم اسمه عمرو بن عبد ود, ومعه عكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وغيرهم، ولكن تصدى لهم المسلمون, حيث حدثت مبارزة رهيبة بين عمرو بن عبد ود وعلي بن أبي طالب t حتى قتله البطل الإسلامي العظيم علي بن أبي طالب، وهرب بقية الرجال الذين جاءوا معه، وتكررت محاولة المشركين مرة واثنتين، وعشرة، وتصدى أسيد بن حضير t في كتيبة من مائتي مسلم لفرقة فرسان خالد بن الوليد واستطاع أن يردهم منهزمين.


كان الصراع يدور لفترات طويلة حتى أنه في أحد الأيام ظل المسلمون يدافعون عن الخندق من قبل صلاة العصر إلى ما بعد المغرب فضاعت عليهم صلاة العصر، وكان هذا الحدث فريدًا في السيرة، وانزعج المسلمون بشدة لأنهم أضاعوا الصلاة، وقالكما جاء في البخاري عن علي t: "مَلأَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهَمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ".


بل إن مسند أحمد والشافعي ذكرا أن الكفار أضاعوا على المسلمين في يوم آخر صلاة الظهر والعصر والمغرب، فصلاها المسلمون جميعا مع صلاة العشاء.


كانت المقاومة فعلاً شرسة, وأصيب فيها بعض الصحابة، وطال الحصار.


لم يكن يومًا أو اثنين، ولا أسبوعًا أو اثنين، بل لمدة شهر كامل، وكان الموقف صعبًا على المسلمين، كما كان صعبًا على الكافرين.. {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ} [النساء:104] .


خيانة بني قريظة
وأسقط في أيدي الكافرين، واحتاروا في كيفية حل موقفهم ذلك، حتى جاءهم الحل أخيرًا، وكان من عند اليهود.


فاليهود مثلما جمعوا هذه الأعداد كلها ما زالوا يفكرون في استئصال المسلمين، وبدءوا يفكرون في الطريقة التي تمكنهم من ذلك، وكان مع المشركين أحد زعماء اليهود، وعتاتهم وهو حيي بن أخطب، وكان من أشدهم كفرًا وحقدًا وغلاًّ وحسدًا، فكر في الأمر، فلم يجد له مخرجًا إلا في يهود بني قريظة.


بنو قريظة كما ذكرنا كانوا في الجنوب الشرقي للمدينة، فلو فتحوا الباب من جهتهم لدخول المشركين المدينة، لانتهت المدينة، فماذا يحدث لو حاربوا مع المشركين، وراقت تلك الفكرة للمشركين جدًّا، ولم يتبق إلا إقناع بني قريظة بمخالفة العهد مع رسول الله، والسماح للمشركين بدخول المدينة لاستئصال الشعب المسلم بكامله، وذهب حيي بن أخطب لأداء مهمته القذرة والتقى بزعيم بني قريظة كعب بن أسد، فقال حيي: إني قد جئتك يا كعب بعز الدهر, جئتك بقريش على قادتها وسادتها, وبغطفان على قادتها وسادتها، وقد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يرجعوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه.


قال كعب: جئتني والله بذل الدهر، ويحك يا حيي، فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاءً.


لكن حيي ظل يكلم كعبًا ويزين له، ثم وعده إن تخلت قريش وغطفان عنه أن يدخل معه في حصنه، ويتحمل معه ما يحدث بعد ذلك.


وتحت تأثير شيطان بني النضير وقع شيطان بني قريظة، وقرر التحالف مع المشركين لتنفيذ ما ذكره حيي: لا نبرح حتى نستأصل محمدًا ومن معه.


وقضى التحالف ليس فقط بفتح باب للمشركين لدخول المدينة, بل وتجهيز فرق عسكرية للحرب ضد المسلمين. كارثة! المدينة على أبواب هلكة قريبة.. ماذا يحدث لو تمكن عشرة آلاف مسلح إضافةً إلى يهود بني قريظة من اقتحام المدينة؟ لا أحسب أن أحدًا كان سيبقى حيًّا في المدينة آنذاك.


يجب أن نضع هذا الأمر في اعتبارنا لكي نفهم رد فعل الرسولعلى بني قريظة لِمَا بدر منهم من خيانة.


على الفور نقلت المخابرات الإسلامية إلى رسول الله نبأ خيانة اليهود له، نعم، كان رسول الله على حذرٍ من اليهود، يعلم أنهم لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، ولذلك وضع عليهم هذه المراقبة.


وخبروني بالله عليكم: هل من قبيل المصادفة أن يخون مائة بالمائة من اليهود في تعاملهم مع الرسول؟ هل من قبيل المصادفة أن يظهر الانحراف في بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة؟


لا شك أن هذه ليست مصادفة ولا شك أن هذا الواقع لا بد أن ندركه جميعًا، ذكره ربنا I في كتابه حيث قال: {أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة:100].


هكذا في كل مرة، يجب أن يخونوا، ويغدروا، وهذه ليست مصادفة، هذه قاعدة، وطبيعة متأصلة في نفوسهم، لا عهد لهم ولا ذمة.


وصل الخبر للرسول، وقبل أن يتخذ أي قرار أراد أن يستوثق من الخبر، أرسل مجموعة من الصحابة للتأكد، فيهم سعد بن معاذ, وسعد بن عبادة، وعبد الله بن رواحة وغيرهم، وقال لهم أمرًا في غاية الأهمية قال: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَنْظُرُوا أَحَقٌّ مَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ أَمْ لاَ؟ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا أَعْرِفُهُ وَلاَ تَفُتُّوا فِي أَعْضَادِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى الْوَفَاءِ فَاجْهَرُوا بِهِ لِلنَّاسِ".


هذه هي الحكمة النبوية، والقيادة الذكية، كثيرًا ما ينشر المسلمون أخبار خطط وتسليحات وإمكانيات العدو على صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون، فيشعر المسلم المشاهد لذلك أنه لا أمل، ويحبط، وييئس من المقاومة، لكن الرسوليعلمنا أنه ليس كل ما يعرف يقال.


ذهبت المجموعة الإسلامية إلى بني قريظة, ولما تكلموا معهم جهر يهود بني قريظة بالسوء, وسبوا الرسولوقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد.


رجع الصحابة بسرعة إلى رسول، وقالوا: عضل وقارة. أي غدر كغدر عضل وقارة بالصحابة عند ماء الرجيع.


حزن الرسولحزنًا شديدًا لهذا الخبر لدرجة أنه تقنع بثوبه (غطى رأسه بالثوب) ومكث طويلاً، وفكر فيما سيحدث.


ثم رفع رأسه فجأة وقال للمسلمين بصوت عال: "اللّهُ أَكْبَرُ, أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرِ الْمُسْلِمِينَ بِفَتْحِ اللَّهِ وَنَصْرِهِ".


يحاول قدر المستطاع أن يرفع من همة الصحابة y.


انتشار خبر خيانة بني قريظة
وعلى الرغم من محاولاتهلتجنب انتشار الخبر إلا أن اللهشاء للخبر أن ينتشر، وهذا لحكمة واحدة، الابتلاء والتنقية والتمييز بين صفوف المؤمنين وصفوف المنافقين.


كل ما حدث من الأحزاب وحصار المدينة كان درجة من درجات الابتلاء، أما الآن فقد وصل المسلمون إلى ما أسميه بمرحلة الزلزال، المرحلة التي يزلزل فيها المسلمون زلزالاً لا يثبت فيه إلا الصادقون حقًّا، أما المنافقون مهما كانت درجة نفاقهم فلا شك أنهم سيقعون، وصف اللههذا الأمر في سورة الأحزاب حيث قال: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب:10، 11].


مرحلة الزلزال، مرحلة خطيرة، لا بد منها قبل أن يأتي النصر، ولكن إذا أتت فمعناها أن النصر قريب إن شاء الله.


وفي الآية الأخرى، يقول: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214].


لكن المنافقين طبعًا وضعهم مختلف، المشركون من حول المدينة واليهود. لا أمل مطلقًا في نظرهم في النجاة {وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا} [الأحزاب:12].


وكان أحدهم يقول: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.


وبدأ المنافقون في التسرب من الصف.. الفرار {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} [الأحزاب: 13].


بدأ الصف المسلم، والحمد لله، ينقى من الشوائب، من المنافقين، وهذا كله من مبشرات النصر.


والرسولقائد عملي، يجب أن يأخذ ردود أفعال واقعية، الجيش الإسلامي في حراسة الخندق في شمال المدينة، في منطقة خارج المدينة المنورة، النساء والأطفال في داخل المدينة, واليهود إلى جوارهم، فأول ما فكر فيه رسول الله إرسال مجموعة من الجنود لحماية النساء والأطفال.


والجدير بالذكر أن ما يروى من قصة دفاع السيدة صفية -رضي الله عنها- عن الحصن ضد اليهود, ورفض حسان بن ثابت t أن يهاجم اليهودي هذه القصة لا أساس لها من الصحة، السند فيها منقطع، وفيها طعن لا يصح في صاحبي جليل.


أرسل رسول اللهفرقة لحماية لجبهة الداخلية للمدينة المنورة، ويجب أن نفكر في الموقف الجديد بسرعة، لقد أصبح الحصار الآن من قريش وغطفان واليهود ماذا نفعل؟


يتوجب على المسلمين بدايةً فك هذا التحالف الرهيب، فكيف يتم ذلك الأمر؟ ومع أي جهة نبدأ؟ مع قريش أم مع اليهود أم مع غطفان؟


محاولة الرسول فك التحالف
  رد مع اقتباس
قديم 25-12-2011, 07:29 PM   رقم المشاركة : ( 5 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,153 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم

فكر رسول اللهفي فك التحالف من خلال العرض المادي، والإغراء بالمال. المنطق يقول إن أي محاولة مع قريش ستفشل، فالعداء طويل، وهم أصلاً لم يأتوا من أجل المال، وكذلك الوضع مع اليهود؛ لأن حقدهم على الرسول كبير جدًّا، كما أنهم خونة، لا يمكن الاطمئنان إلى كلامهم، لم يتبق إلا غطفان، هذه القبيلة التي لم تأتِ ناقمة على رسول الله، وليس بينه وبينها عداء، وإنما جاءت من أجل مال خيبر، أي أنه من الممكن أن تنسحب، أو تفك ارتباطها بالباقين إذا أعطيت مالاً.


وفعلاً عقدلقاءً مع زعماء غطفان: عيينة بن حصن، والحارث بن عوف، لا تذكر المصادر تفاصيل ذلك اللقاء، لكنه يبدو أنها كنت فرصة، فرصة سريعة جدًّا، لدرجة أن الرسوللم يجد وقتا لإشراك الصحابة في اللقاء أو أن اللقاء كان على مستوى عالٍ جدًّا من السرية، فلم يشرك فيه أحد من الطرفين، المهم أن اللقاء تم بين الرسولممثلاً للمسلمين، وعيينة بن حصن والحارث بن عوف ممثلين عن غطفان، وبعد مشاورات ومداولات، استقر الطرفان على إعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة لسنة كاملة على أن تعود غطفان وتترك حصار المسلمين، لكن الرسولعلق هذه المفاوضات على قبول مجلسه الاستشاري للفكرة، وخاصةً سعد بن معاذ وسعد بن عبادة سيدي الأوس والخزرج، فلماذا هذان الرجلان بالذات؟


أولاً: لأنهما قريبان في مساكنهما في المدينة من غطفان، ومن ثَمَّ فهما أدرى الناس بهم وبما يصلح معهم.


وثانيًا وهو الأهم: أن ثمار المدينة هذه التي ستكون ثمنا لفك الحصار ليست ملكًا للرسول، وإن كان هو زعيم الدولة، وإن كان هو النبي، ولكنه يحترم تمامًا الملكية الشخصية للأفراد، وهذه الثمار ملكية شخصية للأوس والخزرج.


ولهذا بعد اجتماع الرسولمع زعماء غطفان، قام باجتماع آخر بسرعة مع السعديْن: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة t، وعرض عليهماالاتفاق الذي وصل إليه مع زعماء غطفان، وكان رسول الله يعتقد أن هذا العرض عرض مغرٍ لإنقاذ المدينة من الحصار (كان هذا بعد نحو شهر من الحصار)، فماذا كان رد فعل زعيمي الأوس والخزرج؟


لقد رحبا بالعرض بدايةً، ثم قال سعد بن معاذ بمنتهى الحكمة: يا رسول الله أمرًا تحبه فنصنعه، أم شيئًا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؟


إذ إنه لو كان أمر من اللهأو رسوله لما جاز له أن يفكر فيه أو يناقشه أصلا، فلا بد من السمع والطاعة، أما إن كان رأيًا بشريًّا فيمكننا حينئذٍ مناقشته، وعرض الرأي فيه.


فقال لهم رسول الله: "بَلْ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ, وَاللَّهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إِلاَّ لِأَنِّي رَأَيْتُ الْعَرَبَ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ". فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا وهؤلاء مع الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه, وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعًا أو فيضًا، أفحينما كرمنا الله بالإسلام، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف وحتى يحكم الله بيننا وبينهم.


هكذا تكون عزة المسلم، أعجب الرسولبرأي سعد جدًّا على الرغم من مخالفته لرأيه، وقال له: "أَنْتَ وَذَاكَ".


فأمسك سعد بن معاذ بالصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب, ثم قال: ليجهدوا علينا.


وراسل رسول اللهزعماء غطفان، وأعلمهم برأي المجلس الاستشاري ورفض المساومة.


والحقيقة أن رأي السعدين كان في منتهى العمق والحكمة، ليست نظرة عنترية غير مدروسة بل هي رؤية إستراتيجية رائعة، فمستقبل المدينة قد يتحدد بهذه المفاوضات فليست المشكلة فقد ثلث ثمار المدينة، ولكن المشكلة أن غطفان ستحقق انتصارا غير مقبول على الدولة الإسلامية, وستهتز صورة الدولة الإسلامية أمامها وستهتز أمام الجزيرة العربية بكاملها، وهؤلاء ليسوا من الزعماء النبلاء الشرفاء، بل هم مجرد مرتزقة مأجورين, وسيفتح هذا الباب الابتزاز المستمر للمدينة المنورة كلما احتاجوا إلى مال جاءوا المدينة. أما هذه الوقفة الصلبة الجريئة فإنها -ولا شك- ستهز غطفان من الأعماق، وبالذات أنهم لا يفكرون إلا في المال والدنيا، وطالِب الدنيا ضعيف، ضعيف جدًّا أمام طالب الآخرة.


ويجب ألا ننسى أن ديار غطفان قريبة من المدينة، وقريش إن آجلاً أو عاجلاً ستعود إلى ديارها بمكة, أما غطفان فباقية، ولهذا يجب أن نحافظ جيدًا على صورة قوية راسخة أمامهم، وهكذا كان القرار في منتهى الحكمة، وأقره الرسولدون تردد، وليعلم الجميع أن الشورى أصل من أصول الحكم في الإسلام, وكان من الممكن جدًّا أن يوحي الله I بهذا الرأي إلى رسوله مباشرة، ولكن حدوث هذه القصة بهذه الصورة يفتح للمسلمين أبواب الفكر والإبداع وإبداء الرأي لمصلحة الأمة الإسلامية.


ابتلاء سعد بن معاذ
وكأن اللهأراد أن يختبر الصدق في كلام سعد بن معاذ t، فحدث أمر شاق على المسلمين كثيرًا, ولكنه كان حلمًا لسعد بن معاذ.


لقد أصيب سعد بن معاذ البطل الإسلامي الشاب t، أصيب بسهم في ذراعه أو كتفه وكانت الإصابة شديدة خطيرة.


وكانت أزمة فوق الأزمات، وهذا زعيم الأوس وهذا حكيم المسلمين وهذا المطاع في قومه وهذا الحبيب ليس فقط لرسول اللهبل لله رب العالمين، سعد بن معاذ قيمة كبيرة جدًّا في الإسلام، كانت أزمة كبيرة جدًّا، فماذا كان رد فعل سعد لهذه الإصابة؟ شاب يصاب إصابة قاتلة وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ماذا يقول؟


قال سعد يدعو الله: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدًا أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدُهُمْ فِيكِ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ وَأَخْرَجُوهُ، اللَّهُمَّ فَإِنَّنِي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْءٌ، فَأَبْقِنِي لَهُمْ حَتَّى أُجَاهِدَهُمْ فِيكِ, وَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ فَافْجُرْهَا وَاجْعَلْ مَوْتَتِي فِيهَا".


يا الله! شاب عنده 37 سنة يرجو الله ألا يموت حتى يجهز على قريش، ويتمنى ألا يلتئم جرحه لكي يموت شهيدًا، عندما يصبح الموت أمنية.


هذه موتة شهيد، يدعو الله ألا تفوته فرصة الشهادة في سبيل الله.


ثم قال في آخر دعائه: "وَلاَ تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ".


حتى في لحظاته الأخيرة لا ينسى غدر بني قريظة، ولا ينسى هموم الأمة الإسلامية.


وكفى الله المؤمنين القتال
تأزم الموقف جدًّا لم يعد في الصف المسلم أحد من المنافقين، وبذل المسلمون جهدهم كله، حفروا الخندق في وقت قياسي، تحملوا في سبيل الله الجوع والبرد، حموا الخندق، ودافعوا عنه بأرواحهم، قاتلوا بضرواة، تعبوا، كافحوا ، قاموا بالمشاورات، واجتهدوا في الدعاء؛ لأن النصر من عند الله.


كان المسلمين يدعون الله تعالى أيام الأحزاب يقولون: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا. وكان الرسوليقول: "اللُّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمِ الْأَحْزَابَ, اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ".


بعد أن بذل المسلمون كل طاقتهم، ووسعهم ومحاولاتهم، يأتيهم نصر الله، ولا شك، ويأتيهم بطريقة إلهية، وترتيب رباني، حتى يعلم الجميع، ويوقنوا أن النصر من عند الله، وجاء جنود الرحمن في الأحزاب، وسأختار منهم ثلاثة جنود فقط من جنود الرحمن نتحدث عنهم.


الجندي الأول: نعيم بن مسعود
نعيم بن مسعود رجل من المشركين لا يتوقع إسلامه أبدًا في هذا التوقيت، بل يكاد يكون مستحيلا، ذلك أنه من قبيلة غطفان المحاصرة للمسلمين، كيف لرجل من الجيش القوي المحاصر للمسلمين، بعد أن مر شهر على الحصار، وقد ينهار المسلمين في أي لحظة وخاصة بعد خيانة اليهود، كيف له أن يترك جيشه القوي لينضم لجيش المسلمين الضعيف المهدد بالانهيار في أي لحظة؟!


جاء نعيم بن مسعود إلى الرسوليقول له: يا رسول الله، إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي, فمرني ما شئت.


فقال رسول الله: "إِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّلْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ".


ولم يأمره بشيء يعمله، ولكن يشاء اللهأن يلهمه بفكرة لم ترد على ذهن أحد من المسلمين، ولا رسول اللهنفسه، ونعيم بن مسعود شخصية معتبرة قيادية معروف عند اليهود وعند قريش، فذهب مباشرة إلى يهود بني قريظة وقال لهم، وهم يحسبونه مشركًا, ويعلمون أنه من قادة غطفان، فله معرفة بواقع الأمور وما يجري خلف الأبواب، قال لهم: قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا: صدقت. قال: فإن قريشًا ليسوا مثلكم، البلد بلدكم, فيه أموالكم ونساؤكم وأبناؤكم، ولا تقدرون أن تتحملوا منه إلى غيره، وإن قريشًا قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه, وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره, فإن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم ومحمدًا، فانتقم منكم.


فقالوا: وما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا: لقد أشرت بالرأي.


ثم ذهب نعيم إلى قريش مباشرةً، وقال لهم: تعلمون ودي لكم ونصحي لكم. قالوا: نعم. فقال: إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمدٍ وأصحابه, وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه, ثم يوالونه عليكم, فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم.


ثم ذهب إلى غطفان وقال لهم نفس الكلام.


قريش شعرت بالقلق وكذلك غطفان، أرسلوا رسالة سريعة إلى اليهود وبتدبير رب العالمين كانت يوم السبت، قالت قريش لليهود: إنا لسنا بأرض مقام, وقد هلك الكراع والخف, فانهضوا بنا حتى نناجز محمدا. فاعتلت اليهود بالسبت وقالوا: لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن.


قالت قريش وغطفان: صدقكم والله نعيم, فبعثوا إلى اليهود, وقالوا: إنا والله لا نرسل إليكم أحدًا, فانهضوا معنا نناجز محمدًا.


فقالت اليهود: صدقكم والله نعيم.


فدبت الفرقة بين الفريقين، وتفتت الأحزاب، وهكذا، بحكمة الله وتدبيره، يسلم نعيم بن مسعود في هذا الوقت، ويلهمه الله بالفكرة التي ينجح بها في تفتيت الأحزاب، ورد كيدهم.. {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82].


الجندي الثاني: الريح
والريح جندي هائل من جنود الرحمن، وربنا I بعث ريحًا شديدة وقاسية البرودة على معسكر الكافرين لم تترك لهم خيمة إلا واقتلعتها، ولم تترك قِدرًا إلا قلبته، ولم تترك نارًا إلا أطفأتها، ووصلت شدة الريح وخطورتها إلى الدرجة التي دفعتهم لأخذ قرار العودة دون قتال وفك الحصار.. {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82].


لماذا لم تأت الريح منذ اليوم الأول؟! لماذا انتظرت شهرًا كاملا؟!


كان ذلك لكي يمتحن المؤمنين، ويتميز الصادق من الكاذب، والمؤمن الصادق من المنافق.


ولماذا لم تهلكهم هذه الريح تمامًا مثلما أهلكت عادًا وثمود؟ لأن كثيرًا من هؤلاء الكفار سيسلمون بعد ذلك، ويتكون منهم جيش الإسلام.


سبحان الله! الكون يجري وفق نواميس غاية في الدقة والإعجاز.


الجندي الثالث: الملائكة
يقول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9].


وسنرى فيما بعد في حديث بني قريظة أن الملائكة شاركت في الحرب بل شارك جبريل بنفسه.


هزيمة الأحزاب
وتم نصر الله وأرسل رسول اللهحذيفة بن اليمان إلى معسكر الكفار ليطمئن على سير الأحداث, وعلى فعل الرياح بهم وعلى أثر الفرقة التي أحدثها نعيم بن مسعود t، فعاد حذيفة بالخبر الجميل وبالنصر العظيم.


لقد عزم الجميع على الرحيل.


كل ذلك بدون قتال.


قال I: {وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب:25].


وانتهت واحدة من أعظم معارك المسلمين مع أنه لم يحدث فيها قتال، وكان اللهيريد أن يقول لنا، ليس المطلوب هو تحقيق النصر، ولكن المطلوب هو العمل من أجله، المطلوب هو قرار الجهاد، والثبات في أرض المعركة، المطلوب هو صفات الجيش المنصور، أما النصر فينزل بالطريقة التي يريدها رب العالمين، وفي الوقت الذي يريده الله.


د. راغب السرجاني
  رد مع اقتباس
قديم 25-12-2011, 07:40 PM   رقم المشاركة : ( 6 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,153 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم

أحداث معركة مؤتة


ساعة الصفر
اصطف المسلمون في مؤتة وقد اقتربت ساعة الصفر لأشرس موقعة في تاريخ السيرة النبوية، حيث أمواج بشرية هائلة من الرومان ونصارى العرب تنساب إلى أرض مؤتة، ورجال كالجبال من المسلمين يقفون ثابتين في وجه أقوى قوة في العالم آنذاك.


وها هي قد ارتفعت صيحات التكبير من المسلمين، وحمل الراية زيد بن حارثة t، وأعطى إشارة البدء لأصحابه، وقد اندفع كالسهم صوب الجيوش الرومانية، وكان قتالاً لم يشهد المسلمون مثله قبل ذلك.


ارتفع الغبار في أرض المعركة في ثوانٍ معدودات، وما عاد أحد يسمع إلا أصوات السيوف أو صرخات الألم، ولا يتخلل ذلك من الأصوات إلا صيحات تكبير المسلمين، أو بعض الأبيات الشعرية الحماسية التي تدفع المسلمين دفعًا إلى بذل الروح والدماء في سبيل إعلاء كلمة الإسلام.


وقد سالت الدماء غزيرة في أرض مؤتة، وتناثرت الأشلاء في كل مكان، ورأى الجميع الموت مرارًا ومرارًا.


استشهاد زيد بن حارثة
كانت ملحمة بكل المقاييس، سقط على إثرها أول شهيد للمسلمين، وهو البطل الإسلامي العظيم والقائد المجاهد زيد بن حارثة t، حِبّ رسول الله، سقط مُقبِلاً غير مدبر بعد رحلة جهاد طويلة بدأت مع الأيام الأولى لنزول الوحي.


فكان t من أوائل من أسلم على وجه الأرض، وقد صحب الرسولفي كل المواطن، وكان هو الوحيد الذي ذهب معه إلى الطائف، ووالله لكأني أراه وهو يدافع بكل ما أوتي من قوة عن حبيبهحتى شُجّت رأسه، وسالت دماؤه غزيرة t.


رأيناه في العام السادس من الهجرة يقود السرية تلو السرية في جرأة عجيبة، وكأنه يُعِدّ نفسه لهذا اليوم العظيم، يوم أن يلقى ربه شهيدًا مقبلاً غير مدبر. لا يبكيَنَّ أحد على زيد بن حارثة، فهذه أسعد لحظة مرت عليه منذ خلق.


استشهاد جعفر بن أبي طالب
حمل الراية بعد زيد بطل آخر هو جعفر بن أبي طالب t، ذلك البطل الشاب المجاهد ابن الأربعين عامًا آنذاك، وقد قضى معظم هذه السنوات الخوالي في الإسلام، حيث أسلم في أوائل أيام الدعوة، وقضى ما يقرب من خمس عشرة سنة في بلاد الحبشة مهاجرًا بأمر الرسول، ثم عاد منها إلى المدينة المنورة في محرم سنة سبع من الهجرة، كان الرسولحينها في خيبر، فلم يَقَرّ له قرار حتى ذهب ليجاهد معه برغبة حقيقية صادقة في البذل والتضحية.


ثم كانت هذه المعركة الهائلة، وقد حمل الراية بعد سقوط أخيه في الإسلام زيد بن حارثة، وقاتل قتالاً لم يُرَ مثله، وأكثر t الطعن في الرومان حتى تكالبوا عليه.


كان t يحمل راية المسلمين بيمينه فقطعوا يمينه، فحملها بشماله فقطعوا شماله، فحملها t بعضضيه قبل أن يسقط شهيدًا، ليأخذ الراية من بعده بطل ثالث، هو عبد الله بن رواحة t.


يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما -كما جاء في البخاري-: "وقفت على جعفر يومئذ وهو قتيل، فعددتُ به خمسين، بين طعنةٍ وضربة، ليس منها شيءٌ في دبره"[1]. أي: ليس منها شيء في ظهره؛ يعني أنه قاتل دائمًا من أمام، لم يفر ولو للحظة واحدة t.


ومن أرض المعركة إلى الجنة مباشرة، لا يسير فيها، بل يطير بجناحين، فقد روى الحاكم والطبراني بإسناد جيد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول اللهقال: "رَأَيْتُ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مَلَكًا فِي الْجَنَّةِ، مُضَرَّجَةً قَوَادِمُهُ بِالدِّمَاءِ، يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ"[2].


وروى البخاري أيضًا أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كان إذا حيَّا ابن جعفر قال: "السلام عليك يابن ذي الجناحَيْنِ"[3].


فقد أبدل الله I جعفر بن أبي طالب t بدلاً من يديه اللتين قطعتا في سبيله بجناحَيْنِ يطير بهما في الجنة.


حياة جهادية طويلة، والمكافأة هي الجنة.


استشهاد عبد الله بن رواحة
حمل الراية بعد جعفر عبد الله بن رواحة الخزرجي الأنصاري t، ذلك المجاهد الشاب الذي شارك في كل الغزوات السابقة، وجاهد -كما ذكرنا- بسيفه ولسانه، وهو الذي كان يحمِّس المسلمين لأخذ قرار الحرب، وهو الذي كان يتمنى ألاّ يعود إلى المدينة، بل يُقتل شهيدًا في أرض الشام.


حمل الراية، وقاتل قتالاً عظيمًا مجيدًا حتى قُتل في صدره t، ما تردد قَطُّ كما أشيع عنه، وكيف يتردد من يدفع الناس دفعًا إلى القتال؟! كيف يتردد من يحمس الناس على طلب الشهادة؟ كيف يتردد من يثق به رسول الله، فيجعله على قيادة هذا الجيش الكبير؟! كيف يتردد من شهد لهأنه شهيد؟! ومن دعا لهقبل ذلك بالثبات؟!


وهذا التردد الذي أشيع عنه لم يتفق عليه عامَّة أهل السير، ولم ينقله الكثير من كُتَّابهم، فلم ينقله موسى بن عقبة في (مغازيه)، ولم ينقله المقريزي في (إمتاع الأسماع)، ولم ينقله ابن سعد في (الطبقات)، وإنما روى ذلك فقط ابن إسحاق -رحمه الله- في (سيرته).


وفي هذه الرواية تناقض شديد بين أول الرواية وآخرها؛ ففي أولها جهاد وتحفيز على الشهادة، وفي آخرها تردد، وهذا لا يستقيم.


أما ما ورد في سيرة ابن إسحاق أيضًا من أن هناك ازورارًا في سرير عبد الله بن رواحة في الجنة، فهو حديث منقطع السند، وضعفه ابن كثير والبيهقي، وقد عارضه أيضًا ابن كثير بحديث أنس بن مالك في البخاري، والذي ذكر فيه أن عبد الله بن رواحة قُتل شهيدًا، ولم يذكر ترددًا، ولم يُشِرْ إلى ذلك قَطُّ[4].


ولعل الذي أشاع أن عبد الله بن رواحة قد تردد هو ما نُسب إليه من شعر في هذا الموقف، لكن هذا الشعر -إن صحت نسبته- لا يحمل أبدًا معنى عدم الإقدام، إنما يحمل معنى تحميس النفس على شيءٍ خطير، يحمل على بذل الروح والتضحية بالنفس.


إن تحمل آلام الضرب بالسيف، والطعن بالرمح ليس أمرًا سهلاً أو هينًا في حياة الإنسان، فإذا قال الإنسان لنفسه بعض الكلمات التي تصبِّره على تحمل الآلام، وتصبره على فراق الأحبة، وتدفعه إلى الموت لا إلى الحياة، فما الضرر في ذلك؟! إن هذا أمر محمود، بل وقد يكون مطلوبًا، وقد كان من شعره يومئذٍ:

يَا نَفْسُ إِنْ لَمْ تُقْتَلِي تَمُوتِـي *** هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صُلِيتِ

وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَـدْ أُعْطِيـتِ *** إِنْ تَفْعَلِـي فِعْلَهُمَا هُدِيـتِ[5]


يحدِّث نفسه: إن تفعلي كما فعل زيد وجعفر -رضي الله عنهما- هديت. وبالفعل كان قتاله شديدًا، وجهاده عظيمًا حتى طعن في صدره t، وتلقى الدماء بيديه ودلَّك بها وجهه، وأصيب شهيدًا كما ذكرفي مسند أحمد، وسنن النسائي، والبيهقي عن أبي قتادة t بسند صحيح.


فهذه كلها روايات صحيحة في حق هذا البطل الذي شُوِّهت صورته بهذا الأمر الذي لا يستقيم في حقه أبدًا، وهو الذي دفع المسلمين هذا الدفع في هذه المعركة الهائلة.


سقط القادة الثلاثة شهداء ليثبتوا لنا وللجميع أن القيادة مسئولية، وأن الإمارة تكليف وليست تشريفًا، وأن القدوة هي أبلغ وسائل التربية.


فثباتهم -لا شك- كان سببًا في ثبات الجيش الإسلامي، وجهادهم لا بد أنه قد دفع الجيش الإسلامي لأنْ يُخرِج كل طاقته، فما يفر الجنود إلا بفرار القادة، وما تسقط الراية إلا بهوانها على حاملها، لكن في مؤتة ما سقطت راية المسلمين قَطُّ، ولا لحظة من لحظات القتال.


خالد بن الوليد.. القائد الرابع
بعد استشهاد البطل العظيم عبد الله بن رواحة t، حمل الراية الصحابي الجليل ثابت بن أقرم البدريّ (ممن شهد بدرًا) t، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم. فقالوا: أنت تحمل الراية. فقال: ما أنا بفاعل. ثم تقدم إلى خالد بن الوليد t، القائد المعجزة، فدفع له الراية، وقال له: أنت أعلم بالقتال مني. فقال خالد -وعمره في الإسلام ثلاثة أشهر- متواضعًا: أنت أحق بها مني، أنت شهدت بدرًا.


فنادى ثابت: يا معشر المسلمين. فاجتمع الناس على خالد، وأعطوه الراية، فحمل خالد الراية، وجاهد جهادًا عظيمًا يُكفِّر به عن العشرين سنة الماضية.


هذا أول مواقفه في سبيل الله، ولا بد أن يُرِي اللهمنه بأسًا وقوة وجلدًا وإقدامًا، قاتل خالد بن الوليد كما لم يقاتل من قبلُ، حتى قال -كما في صحيح البخاري-: "لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية"[6].


تسعة أسياف تكسَّرت في يديه t وهو يحارب الرومان، فتخيل كم من البشر قتل بهذه الأسياف، ومع ذلك فقد استمر في قتاله يُغيِّر سيفًا بعد الآخر، ويقاتل في معركة ضارية، لكنه ثبت ثباتًا عجيبًا، وثبت المسلمون بثباته t.


وعلى هذا الحال استمر القتال يومًا كاملاً، ما تراجع المسلمون فيه لحظة واحدة، وإنما وقفوا كالسدِّ المنيع أمام طوفان قوات التحالف الرومانية العربية، واستمر الحال على هذا الوضع حتى جنَّ المساء. ولك أن تتخيل قتالاً منذ الصباح وحتى المساء، وثلاثة آلاف في مقابل مائتي ألف.


خطة عبقرية !
لم يكن من عادة الجيوش في ذلك الوقت أن تقاتل ليلاً، فكان أن تحاجز الفريقان، واستراح الرومان ليلتهم هذه، لكن المسلمين لم يركنوا إلى الراحة، وإنما كانوا في حركة دائبة؛ فقد بدأ خالد بن الوليد في تنفيذ خُطَّة عبقرية بارعة للوصول بجيشه إلى برِّ الأمان، وكان هدفها إشعار الرومان بأن هناك مددًا كبيرًا قد جاء للمسلمين؛ وذلك حتى يتسلل الإحباط إلى داخل جنود الرومان والعرب المتحالفين معهم، فهم أمْسِ كانوا يتقاتلون مع ثلاثة آلاف وقد رأوا منهم ما رأوا، فكيف إذا جاءهم مدد؟!


ولتنفيذ هذه الخطة قام خالد بن الوليد t بالخطوات التالية:


أولاً: جعل الخيل طوال الليل تجري في أرض المعركة لتثيرَ الغبار الكثيف؛ فيُخيَّل للرومان أن هناك مددًا قد جاء للمسلمين.


ثانيًا: غَيَّر من ترتيب الجيش، فجعل الميمنة ميسرة والميسرة ميمنة، وجعل المقدمة مؤخرة والمؤخرة مقدمة، وحين رأى الرومان هذه الأمور في الصباح، ورأوا الرايات والوجوه والهيئة قد تغيَّرت، أيقنوا أن هناك مددًا قد جاء للمسلمين، فهبطت معنوياتهم تمامًا.


ثالثًا: جعل في خلف الجيش وعلى مسافة بعيدة منه مجموعةً من الجنود المسلمين فوق أحد التلال، منتشرين على مساحة عريضة، ليس لهم من شغل إلا إثارة الغبار لإشعار الرومان بالمدد المستمر الذي يأتي للمسلمين.


رابعًا: بدأ خالد بن الوليد في اليوم التالي للمعركة بالتراجع التدريجي بجيشه إلى عمق الصحراء، الأمر الذي شعر معه الرومان بأن خالدًا يستدرجهم إلى كمين في الصحراء، فترددوا في متابعته، وقد وقفوا على أرض مؤتة يشاهدون انسحاب خالد، دون أن يجرءوا على مهاجمته أو متابعته.


ونجح مراد خالد بن الوليد، وسحب الجيش بكامله إلى عمق الصحراء، ثم بدأ الجيش في رحلة العودة إلى المدينة المنورة سالمًا.


د. راغب السرجاني


--------------------------------------------------------------------------------

[1] البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشام (4012).

[2] المتقي الهندي: كنز العمال، مؤسسة الرسالة - بيروت، 1989م، 11/663، رقم الحديث (33205).

[3] البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب جعفر بن أبي طالب الهاشمي t (3506).

[4] ابن كثير: السيرة النبوية 3/463.

[5] البيهقي: السنن الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز - مكة المكرمة، 1414هـ- 1994م، 9/154، رقم الحديث (18254).

[6] البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشام (4017).
  رد مع اقتباس
قديم 25-12-2011, 07:40 PM   رقم المشاركة : ( 7 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,153 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم

أحداث معركة مؤتة


ساعة الصفر
اصطف المسلمون في مؤتة وقد اقتربت ساعة الصفر لأشرس موقعة في تاريخ السيرة النبوية، حيث أمواج بشرية هائلة من الرومان ونصارى العرب تنساب إلى أرض مؤتة، ورجال كالجبال من المسلمين يقفون ثابتين في وجه أقوى قوة في العالم آنذاك.


وها هي قد ارتفعت صيحات التكبير من المسلمين، وحمل الراية زيد بن حارثة t، وأعطى إشارة البدء لأصحابه، وقد اندفع كالسهم صوب الجيوش الرومانية، وكان قتالاً لم يشهد المسلمون مثله قبل ذلك.


ارتفع الغبار في أرض المعركة في ثوانٍ معدودات، وما عاد أحد يسمع إلا أصوات السيوف أو صرخات الألم، ولا يتخلل ذلك من الأصوات إلا صيحات تكبير المسلمين، أو بعض الأبيات الشعرية الحماسية التي تدفع المسلمين دفعًا إلى بذل الروح والدماء في سبيل إعلاء كلمة الإسلام.


وقد سالت الدماء غزيرة في أرض مؤتة، وتناثرت الأشلاء في كل مكان، ورأى الجميع الموت مرارًا ومرارًا.


استشهاد زيد بن حارثة
كانت ملحمة بكل المقاييس، سقط على إثرها أول شهيد للمسلمين، وهو البطل الإسلامي العظيم والقائد المجاهد زيد بن حارثة t، حِبّ رسول الله، سقط مُقبِلاً غير مدبر بعد رحلة جهاد طويلة بدأت مع الأيام الأولى لنزول الوحي.


فكان t من أوائل من أسلم على وجه الأرض، وقد صحب الرسولفي كل المواطن، وكان هو الوحيد الذي ذهب معه إلى الطائف، ووالله لكأني أراه وهو يدافع بكل ما أوتي من قوة عن حبيبهحتى شُجّت رأسه، وسالت دماؤه غزيرة t.


رأيناه في العام السادس من الهجرة يقود السرية تلو السرية في جرأة عجيبة، وكأنه يُعِدّ نفسه لهذا اليوم العظيم، يوم أن يلقى ربه شهيدًا مقبلاً غير مدبر. لا يبكيَنَّ أحد على زيد بن حارثة، فهذه أسعد لحظة مرت عليه منذ خلق.


استشهاد جعفر بن أبي طالب
حمل الراية بعد زيد بطل آخر هو جعفر بن أبي طالب t، ذلك البطل الشاب المجاهد ابن الأربعين عامًا آنذاك، وقد قضى معظم هذه السنوات الخوالي في الإسلام، حيث أسلم في أوائل أيام الدعوة، وقضى ما يقرب من خمس عشرة سنة في بلاد الحبشة مهاجرًا بأمر الرسول، ثم عاد منها إلى المدينة المنورة في محرم سنة سبع من الهجرة، كان الرسولحينها في خيبر، فلم يَقَرّ له قرار حتى ذهب ليجاهد معه برغبة حقيقية صادقة في البذل والتضحية.


ثم كانت هذه المعركة الهائلة، وقد حمل الراية بعد سقوط أخيه في الإسلام زيد بن حارثة، وقاتل قتالاً لم يُرَ مثله، وأكثر t الطعن في الرومان حتى تكالبوا عليه.


كان t يحمل راية المسلمين بيمينه فقطعوا يمينه، فحملها بشماله فقطعوا شماله، فحملها t بعضضيه قبل أن يسقط شهيدًا، ليأخذ الراية من بعده بطل ثالث، هو عبد الله بن رواحة t.


يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما -كما جاء في البخاري-: "وقفت على جعفر يومئذ وهو قتيل، فعددتُ به خمسين، بين طعنةٍ وضربة، ليس منها شيءٌ في دبره"[1]. أي: ليس منها شيء في ظهره؛ يعني أنه قاتل دائمًا من أمام، لم يفر ولو للحظة واحدة t.


ومن أرض المعركة إلى الجنة مباشرة، لا يسير فيها، بل يطير بجناحين، فقد روى الحاكم والطبراني بإسناد جيد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول اللهقال: "رَأَيْتُ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مَلَكًا فِي الْجَنَّةِ، مُضَرَّجَةً قَوَادِمُهُ بِالدِّمَاءِ، يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ"[2].


وروى البخاري أيضًا أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كان إذا حيَّا ابن جعفر قال: "السلام عليك يابن ذي الجناحَيْنِ"[3].


فقد أبدل الله I جعفر بن أبي طالب t بدلاً من يديه اللتين قطعتا في سبيله بجناحَيْنِ يطير بهما في الجنة.


حياة جهادية طويلة، والمكافأة هي الجنة.


استشهاد عبد الله بن رواحة
حمل الراية بعد جعفر عبد الله بن رواحة الخزرجي الأنصاري t، ذلك المجاهد الشاب الذي شارك في كل الغزوات السابقة، وجاهد -كما ذكرنا- بسيفه ولسانه، وهو الذي كان يحمِّس المسلمين لأخذ قرار الحرب، وهو الذي كان يتمنى ألاّ يعود إلى المدينة، بل يُقتل شهيدًا في أرض الشام.


حمل الراية، وقاتل قتالاً عظيمًا مجيدًا حتى قُتل في صدره t، ما تردد قَطُّ كما أشيع عنه، وكيف يتردد من يدفع الناس دفعًا إلى القتال؟! كيف يتردد من يحمس الناس على طلب الشهادة؟ كيف يتردد من يثق به رسول الله، فيجعله على قيادة هذا الجيش الكبير؟! كيف يتردد من شهد لهأنه شهيد؟! ومن دعا لهقبل ذلك بالثبات؟!


وهذا التردد الذي أشيع عنه لم يتفق عليه عامَّة أهل السير، ولم ينقله الكثير من كُتَّابهم، فلم ينقله موسى بن عقبة في (مغازيه)، ولم ينقله المقريزي في (إمتاع الأسماع)، ولم ينقله ابن سعد في (الطبقات)، وإنما روى ذلك فقط ابن إسحاق -رحمه الله- في (سيرته).


وفي هذه الرواية تناقض شديد بين أول الرواية وآخرها؛ ففي أولها جهاد وتحفيز على الشهادة، وفي آخرها تردد، وهذا لا يستقيم.


أما ما ورد في سيرة ابن إسحاق أيضًا من أن هناك ازورارًا في سرير عبد الله بن رواحة في الجنة، فهو حديث منقطع السند، وضعفه ابن كثير والبيهقي، وقد عارضه أيضًا ابن كثير بحديث أنس بن مالك في البخاري، والذي ذكر فيه أن عبد الله بن رواحة قُتل شهيدًا، ولم يذكر ترددًا، ولم يُشِرْ إلى ذلك قَطُّ[4].


ولعل الذي أشاع أن عبد الله بن رواحة قد تردد هو ما نُسب إليه من شعر في هذا الموقف، لكن هذا الشعر -إن صحت نسبته- لا يحمل أبدًا معنى عدم الإقدام، إنما يحمل معنى تحميس النفس على شيءٍ خطير، يحمل على بذل الروح والتضحية بالنفس.


إن تحمل آلام الضرب بالسيف، والطعن بالرمح ليس أمرًا سهلاً أو هينًا في حياة الإنسان، فإذا قال الإنسان لنفسه بعض الكلمات التي تصبِّره على تحمل الآلام، وتصبره على فراق الأحبة، وتدفعه إلى الموت لا إلى الحياة، فما الضرر في ذلك؟! إن هذا أمر محمود، بل وقد يكون مطلوبًا، وقد كان من شعره يومئذٍ:

يَا نَفْسُ إِنْ لَمْ تُقْتَلِي تَمُوتِـي *** هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صُلِيتِ

وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَـدْ أُعْطِيـتِ *** إِنْ تَفْعَلِـي فِعْلَهُمَا هُدِيـتِ[5]


يحدِّث نفسه: إن تفعلي كما فعل زيد وجعفر -رضي الله عنهما- هديت. وبالفعل كان قتاله شديدًا، وجهاده عظيمًا حتى طعن في صدره t، وتلقى الدماء بيديه ودلَّك بها وجهه، وأصيب شهيدًا كما ذكرفي مسند أحمد، وسنن النسائي، والبيهقي عن أبي قتادة t بسند صحيح.


فهذه كلها روايات صحيحة في حق هذا البطل الذي شُوِّهت صورته بهذا الأمر الذي لا يستقيم في حقه أبدًا، وهو الذي دفع المسلمين هذا الدفع في هذه المعركة الهائلة.


سقط القادة الثلاثة شهداء ليثبتوا لنا وللجميع أن القيادة مسئولية، وأن الإمارة تكليف وليست تشريفًا، وأن القدوة هي أبلغ وسائل التربية.


فثباتهم -لا شك- كان سببًا في ثبات الجيش الإسلامي، وجهادهم لا بد أنه قد دفع الجيش الإسلامي لأنْ يُخرِج كل طاقته، فما يفر الجنود إلا بفرار القادة، وما تسقط الراية إلا بهوانها على حاملها، لكن في مؤتة ما سقطت راية المسلمين قَطُّ، ولا لحظة من لحظات القتال.


خالد بن الوليد.. القائد الرابع
بعد استشهاد البطل العظيم عبد الله بن رواحة t، حمل الراية الصحابي الجليل ثابت بن أقرم البدريّ (ممن شهد بدرًا) t، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم. فقالوا: أنت تحمل الراية. فقال: ما أنا بفاعل. ثم تقدم إلى خالد بن الوليد t، القائد المعجزة، فدفع له الراية، وقال له: أنت أعلم بالقتال مني. فقال خالد -وعمره في الإسلام ثلاثة أشهر- متواضعًا: أنت أحق بها مني، أنت شهدت بدرًا.


فنادى ثابت: يا معشر المسلمين. فاجتمع الناس على خالد، وأعطوه الراية، فحمل خالد الراية، وجاهد جهادًا عظيمًا يُكفِّر به عن العشرين سنة الماضية.


هذا أول مواقفه في سبيل الله، ولا بد أن يُرِي اللهمنه بأسًا وقوة وجلدًا وإقدامًا، قاتل خالد بن الوليد كما لم يقاتل من قبلُ، حتى قال -كما في صحيح البخاري-: "لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية"[6].


تسعة أسياف تكسَّرت في يديه t وهو يحارب الرومان، فتخيل كم من البشر قتل بهذه الأسياف، ومع ذلك فقد استمر في قتاله يُغيِّر سيفًا بعد الآخر، ويقاتل في معركة ضارية، لكنه ثبت ثباتًا عجيبًا، وثبت المسلمون بثباته t.


وعلى هذا الحال استمر القتال يومًا كاملاً، ما تراجع المسلمون فيه لحظة واحدة، وإنما وقفوا كالسدِّ المنيع أمام طوفان قوات التحالف الرومانية العربية، واستمر الحال على هذا الوضع حتى جنَّ المساء. ولك أن تتخيل قتالاً منذ الصباح وحتى المساء، وثلاثة آلاف في مقابل مائتي ألف.


خطة عبقرية !
لم يكن من عادة الجيوش في ذلك الوقت أن تقاتل ليلاً، فكان أن تحاجز الفريقان، واستراح الرومان ليلتهم هذه، لكن المسلمين لم يركنوا إلى الراحة، وإنما كانوا في حركة دائبة؛ فقد بدأ خالد بن الوليد في تنفيذ خُطَّة عبقرية بارعة للوصول بجيشه إلى برِّ الأمان، وكان هدفها إشعار الرومان بأن هناك مددًا كبيرًا قد جاء للمسلمين؛ وذلك حتى يتسلل الإحباط إلى داخل جنود الرومان والعرب المتحالفين معهم، فهم أمْسِ كانوا يتقاتلون مع ثلاثة آلاف وقد رأوا منهم ما رأوا، فكيف إذا جاءهم مدد؟!


ولتنفيذ هذه الخطة قام خالد بن الوليد t بالخطوات التالية:


أولاً: جعل الخيل طوال الليل تجري في أرض المعركة لتثيرَ الغبار الكثيف؛ فيُخيَّل للرومان أن هناك مددًا قد جاء للمسلمين.


ثانيًا: غَيَّر من ترتيب الجيش، فجعل الميمنة ميسرة والميسرة ميمنة، وجعل المقدمة مؤخرة والمؤخرة مقدمة، وحين رأى الرومان هذه الأمور في الصباح، ورأوا الرايات والوجوه والهيئة قد تغيَّرت، أيقنوا أن هناك مددًا قد جاء للمسلمين، فهبطت معنوياتهم تمامًا.


ثالثًا: جعل في خلف الجيش وعلى مسافة بعيدة منه مجموعةً من الجنود المسلمين فوق أحد التلال، منتشرين على مساحة عريضة، ليس لهم من شغل إلا إثارة الغبار لإشعار الرومان بالمدد المستمر الذي يأتي للمسلمين.


رابعًا: بدأ خالد بن الوليد في اليوم التالي للمعركة بالتراجع التدريجي بجيشه إلى عمق الصحراء، الأمر الذي شعر معه الرومان بأن خالدًا يستدرجهم إلى كمين في الصحراء، فترددوا في متابعته، وقد وقفوا على أرض مؤتة يشاهدون انسحاب خالد، دون أن يجرءوا على مهاجمته أو متابعته.


ونجح مراد خالد بن الوليد، وسحب الجيش بكامله إلى عمق الصحراء، ثم بدأ الجيش في رحلة العودة إلى المدينة المنورة سالمًا.


د. راغب السرجاني


--------------------------------------------------------------------------------

[1] البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشام (4012).

[2] المتقي الهندي: كنز العمال، مؤسسة الرسالة - بيروت، 1989م، 11/663، رقم الحديث (33205).

[3] البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب جعفر بن أبي طالب الهاشمي t (3506).

[4] ابن كثير: السيرة النبوية 3/463.

[5] البيهقي: السنن الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز - مكة المكرمة، 1414هـ- 1994م، 9/154، رقم الحديث (18254).

[6] البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشام (4017).
  رد مع اقتباس
قديم 25-12-2011, 07:53 PM   رقم المشاركة : ( 8 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,153 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم

غزوة الطائف



حقيقة النصر في الإسلام
انتصر المسلمون يوم حُنين، ولم يَدُرْ فيه قتال يذكر، ومع ذلك كان له من الآثار ما لا يحصى، وكان من أهم هذه الآثار أن المسلمين فقهوا جيدًا حقيقة النصر في الإسلام، وعلموا تمام العلم أن المسلم الذي يَعِدُّ العُدَّة دون أن يرتبط بالله، فإن نصره بعيد، وثباته محال. وكان هذا الدرس من أبلغ الدروس التي تعلمها المسلمون في كل حياتهم السابقة، ورأينا فرار جيش هوازن بكل بطونها من أمام جيش المسلمين عندما عاد المسلمون إلى ربهم I، وعادوا إلى الفقه السليم، فرت جيوش هوازن، حتى وصلوا في فرارهم إلى مدينة الطائف.


وفر معهم زعيمهم القومي مالك بن عوف النصريّ، فقد ظل زعيمهم حتى بعد هزيمته في حُنين. وبعد ذلك أخذ الرسولمعظم الجيش، وذهب لحصار مدينة الطائف، وحرب جيش هوازن، واستغلال فرصة انهزام هوازن حتى يقابلهم في معركة فاصلة؛ لذلك لم يقسِّم الرسولغنائم حُنين الهائلة إلا عندما ينتهي من قضية هوازن وثقيف، وتستقر الأوضاع.


الرسول يسير بالجيش إلى الطائف
سار الرسولفي جيشه الضخم متجهًا إلى الطائف، والمقارنة عجيبة بين هذا المسير المهيب للطائف، وبين مسيرهإليها منذ أحد عشر عامًا، وكان الرسولوقتها متجهًا إلى الطائف، وهو في أشد حالات الحزن والضيق، وكان يسير ماشيًا على قدميه، وليس معه إلا غلامه زيد بن حارثة t، فقد طردته مكة، وأخرجته وتنكرت له، وماتت السيدة خديجة رضي الله عنها، ومات عمه أبو طالب، وليس معه في مكة إلا أقل القليل من المؤمنين الذين لا يتجاوزون المائة. فالوضع كان في قمة المأساة، ولم تخفف الطائف من آلامه، بل عمقت هذه الآلام، ورفضت الدعوة الإسلامية بتكبر، وحاربت الرسولبشدة، واستقبلته استقبال اللئام، لا استقبال الكرام، وطردوه هو وصاحبه زيد t، وقد أمطروهما بوابل من الحجارة والتراب والسباب، حتى ألجئوهما إلى حائط عتبة وشيبة ابني ربيعة.


ونحن نعلم الدعاء المشهور الذي دعا به الرسولهناك، وهو دعاء يعبر عن درجة الألم والأسى والحزن الشديد التي وصل إليها. وغادر الرسولفي ذلك اليوم هذه الحديقة، وعاد متجهًا إلى مكة -كما تقول الرواية- مهمومًا على وجهه، في ظروف لا يتحملها عامة البشر، ومع ذلك ومع كون حالته النفسية قد وصلت إلى أقصى درجات الألم، إلا أنهرفض تدمير قريتي الطائف ومكة المكرمة اللتين كفرتا بالله، مع أن ملك الجبال عرض عليه هذا الأمر، ولكن الرسولقال في منتهى التجرد: "بَلْ أَرْجُو مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا"[1].


ومرت الأيام، وكما يقول الله: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140].


وغيّر اللهالأحوال، وجاء الرسولبعد أحد عشر عامًا كاملة بما لا يتخيله أحد، لا من الطائف، ولا من مكة، ولا من أهل الجزيرة بكاملها. جاءالآن عزيزًا منتصرًا مُمَكَّنًا، رافعًا رأسه، ومحاطًا بجيش مؤمن جرّار، يزلزل الأرض من حوله، ويرفع راية (لا إله إلا الله محمد رسول الله). أحد عشر عامًا فقط فرّقت بين الموقفين، وتحقق ما ذكرهلصاحبه زيد بن حارثة t يوم قال له في يقين -بعد عودتهم المحزنة من الطائف-: "يَا زَيْدُ، إِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لِمَا تَرَى فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرٌ دِينَهُ، وَمُظْهِرٌ نَبِيَّهُ"[2].


وسبحان الله! جاء الفرج والمخرج على صورة أعظم بكثير من تخيل الجميع، ونصر الله الدين، وأظهر النبي الكريم. ولا شك أن الرسولوهو ذاهب إلى الطائف كان في رأسه ذكريات كثيرة تجول في خاطره، إنها ذكريات لا حصر لها؛ الجيش يقطع صمت الصحراء في اتجاه الطائف للمرة الثانية في حياته، ولعلهتذكر صاحبه زيد بن حارثة حِبّه t، عندما كان يصحبه في رحلة الطائف، والآن زيد لا يسير معه، فقد سبق زيد إلى الجنة t، إذْ استشهد في موقعة مؤتة.


ولعله تذكّرأهل الطائف، وهم يرفضون دعوته جميعًا -بلا استثناء- في تعنت أشد من تعنت أهل مكة. ولعله تذكر عبد يالِيل بن عمير الثقفي -الذي انتهت إليه زعامة ثقيف- عندما وقف يسخر من النبي، ويقول: هو يَمْرُطُ[3] ثيابَ الكعبة، إنْ كان الله أرسلك. ويقول الآخر: أمَا وَجَدَ الله أحدًا يرسله غيرك[4]. فقد فرَّ فرارًا مخزيًا من أرض حُنين، وذهب يختبئ في حصون الطائف.


ولعله تذكر عَدَّاس النصراني الغلام الصغير الذي آمن t، واختفى ذكره من السيرة بعد ذلك، ولا نعلم من حاله شيئًا، لكنَّ اللهيعلمه. ولعله تذكر عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة صاحبي الحديقة التي لجأ إليها، الآن عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة يرقدان في قَلِيب بدر يُعذَّبان مع قادة الكفر في مكة المكرمة في قبورهم. ولعله تذكر وهو يمر على وادي نخلة مجموعة الجن التي آمنت به في رحلته إلى الطائف، وهو في طريق عودته إلى مكة المكرمة، ويتذكر جبريل، وملك الجبال. ذكريات كثيرة بعضها سعيد وبعضها أليم، والأيام على أي حال تمرّ، وكل شيء يذهب، ولا يبقى إلا العمل.


الجيش الإسلامي يصل إلى أرض الطائف
وصل الجيش الإسلامي العملاق إلى الطائف، وتوقع الجميع معركة هائلة بين هذا التجمع الضخم من المسلمين، وبين تجمع هوازن وثقيف في حصون الطائف في عقر دارهم. وكان الجيش الإسلامي بكامله موجودًا في الطائف، ويبلغ اثني عشر ألفًا، وتوقع الجميع معركة هائلة، ولكن -سبحان الله- رفض المشركون الخروج للحرب، واختاروا أن يمكثوا في حصونهم دون قتال. وإذا قرر أهل ثقيف وهوازن عدم الخروج فسيكون القتال صعبًا للغاية، ولكنهم -فعلاً- رفضوا مع أن عَددهم وعُدَّتهم أضعاف المسلمين، ومع أنهم يقاتلون في بلادهم التي خبروها وبالقرب من مددهم، وفي ظروف اعتادوا عليها، ولكن اللهألقى الرهبة في قلوبهم، فما استطاعوا أن يأخذوا قرار الحرب مرة ثانية، واكتفوا بفضيحة حُنين.


ولا شك أن في هذا خزيًا كبيرًا؛ لأن نساء وأموال هوازن مع المسلمين الآن، ومع ذلك فضلوا ألاّ يخرجوا من حصونهم، وعدم السعي لاستخلاص هذه الأنعام، وهذه الأموال، وهذه النساء من أيدي المسلمين. فماذا فعل الرسولعندما رأى أن أهل الطائف من هوازن وثقيف يرفضون الخروج للقتال؟!


المسلمون يضربون الحصار على الطائف
لم يَفُتّ تحصن هوازن وثقيف عزيمةَ الرسولوصحابته الكرام، ولكنه أمربتجمُّع الجيش الإسلامي، وأخذ يحاصر الحصون المنيعة لعلهم يخرجون. وبدأ حصار المسلمين للطائف، فقام أهل الطائف بإطلاق السهام والرماح على المسلمين، وحصونهم عالية وكبيرة، واشتد رميهم مع مرور الوقت، واستشهد من المسلمين اثنا عشر من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ولم تكن سهام المسلمين تصل إلى الحصون، وأصبحت المشكلة كبيرة على المسلمين.


فأشار الحُبَاب بن المنذر t أن يبتعد المسلمون عن الحصن حتى لا تصيبهم السهام، وبالفعل عسكر الرسولفي مكان بعيد، ولكنه ما زال يحاصر الطائف.


ماذا يفعل الرسولفي هذا الموقف؟ وكيف يُخرِجهم من داخل الحصن؟


قام الرسولبعمل أكثر من طريقة لضرب هذا الحصار؛ فقد قام سلمان الفارسيّ t بصناعة منجنيق؛ لقذف حصون الطائف بالحجارة، وصنعوا دبابةً خشبية كان يختبئ تحتها الجنود؛ ليصلوا إلى القلاع والحصون دون أن تصيبهم السهام. وبدأ المسلمون في قذف أسوار الطائف بالمنجنيق الذي صنعه سلمان t، وسار المسلمون تحت الدبابة الخشبية، وبالفعل كسروا جزءًا من السور، وكاد المسلمون يدخلون داخل أسوار الطائف، لولا أن أهل الطائف فاجئوا المسلمين بإلقاء الحَسَك الشائك المُحمَّى في النار، وهو عبارة عن أشواك حديدية ضخمة أوقدت عليها النار حتى احمرّت فألقوها على المسلمين. وهذه كانت مأساة كبيرة على المسلمين، فقد أصيبوا إصابات بالغة دفعت المسلمين إلى العودة من جديد إلى معسكرهم، ولم يستطيعوا أن يقتحموا حصن الطائف. لم ييئس المسلمون، وأخذ الرسولقرارًا ثانيًا.


وأخذ الرسولالقرار بحرق حدائق العنب حتى يدفع أهل الطائف إلى الخروج للقتال، وكانت هذه الحدائق كثيرة، وتحيط بالحصن، والرسوللا يحرق هذه الأشجار، وهذه الأعناب بغرض التدمير، ولكن بغرض إجبار أهل الطائف على الخروج للقتال. وبدأ المسلمون في حرق كَمِّيَّةٍ ضخمة من العنب؛ ولكن ثقيفًا نادت على المسلمين من وراء الأسوار: لمَ تقطع أموالنا؟ إما أن تأخذها إنْ ظهرت علينا، وإما أن تدعها لله وللرَّحِم.


فقال رسول الله: "فَإِنِّي أَدَعُهَا لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ"[5].


لأن العَلاقة بين ثقيف وقريش علاقة بعيدة، فقد كانت إحدى جدات الرسوللأمِّه من ثقيف، وكانت الجدة الخامسة للرسول، وكان اسمها هند بنت يربوع الثقفية؛ فلذلك ترك الرسول الأعناب. وكان المسلمون يقطعون الأعناب لإجبار ثقيف وهوازن على الخروج من الحصون، فآثر أن يترك الأعناب لله، وللرحم التي بينه وبينهم.


ولم يفعل الرسولمثل ما كانت -وما زالت- تفعله الجيوش الكافرة العلمانية، مثل جيوش فارس، والرومان، والتتار، واليهود، وجيوش العصور الحديثة التي تفسد في الأرض لمجرد الإفساد، حتى إن اللهيصفهم في كتابه العزيز: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205].


أي أن الإفساد هدف في ذاته، ولكن المسلمين لم يفعلوا ذلك إلا لغاية محددة، فلمّا لم تفلح في إخراج أهل الطائف توقف المسلمون عن حرق الحدائق.


فكر الرسولفي وسيلة تفتُّ عزيمةَ أهل الطائف، فنادى الرسولعلى العبيد في داخل الحصون، وقال: "أَيُّمَا عَبْدٍ نَزَلَ مِنَ الْحِصْنِ وَخَرَجَ إِلَيْنَا فَهُوَ حُرٌّ"[6].


ونحن نعلم أن العبيد كانت أعدادهم كبيرة في المجتمع العربي القديم، وكانت سياسة الإسلام تهدف إلى تحرير العبيد في كل مناسبة ممكنة، وكانت هذه فرصة طيبة لتحرير العبيد، وهؤلاء العبيد في الغالب سيسلمون، وبذلك يستنقذون من ظلمات الكفر، وسيفقد أهل ثقيف طاقة هؤلاء العبيد، وسينقلون الأخبار من داخل ثقيف، فهناك أكثر من فائدة في فكرة الرسول، فهي هدف دعويّ عسكري بارع من الرسول. وبدأ الصحابة رضوان الله عليهم ينادون على العبيد، وبدأ يخرج بعض العبيد من داخل الحصون، حتى وصل عددهم إلى ثلاثة وعشرين من العبيد، واكتشفت ثقيف الأمر، وشددت الحصار على الأسوار، ومنعت خروج بقية العبيد. ولكن المسلمين استفادوا من خروج مجموعة العبيد السابقين، إنهم إضافة إلى أمة الإسلام، ولأنْ يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من الدنيا وما فيها، وخير لك من حُمْر النَّعَم. والشيء الآخر أن هؤلاء العبيد أخبروا المسلمين ببعض المعلومات العسكرية الخطيرة، وأخبر هؤلاء العبيد الرسولأن الطعام والشراب اللذين في داخل الطائف يكفيان أهل الطائف للصبر على الحصار سنة على الأقل أو عدة سنوات.
  رد مع اقتباس
قديم 25-12-2011, 07:59 PM   رقم المشاركة : ( 9 )

الصورة الرمزية مجد الغد

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
علم الدولة :  Saudi-Arabia
الاقامة : السعودية-المدينة المنورة
التحصيل الدراسي : بكالوريوس
المشاركـــــــات : 20,153 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 54
قوة التـرشيــــح : مجد الغد will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

مجد الغد غير متواجد حالياً

افتراضي رد: غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم

وهي معلومة على جانب كبير من الأهمية؛ لأن المسلمين لا يستطيعون أن يقضوا حياتهم في هذا المكان؛ لأن القوات الإسلامية ليست مجرد فرقة من الجيش الإسلامي، ولكن هذه القوات هي المجتمع المسلم بكامله. فالرسوللم يترك في المدينة المنورة إلا القليل من الرجال لحراسة النساء والديار، وهناك الكثير من القبائل التي دخلها الإسلام حديثًا هنا وهناك تحتاج إلى متابعة مستمرة؛ خوفًا من انقلابها إلى الكفر، وخوفًا من مهاجمة المدينة المنورة وهي خالية من الرجال، وهناك اليهود في خيبر على مقربة من المدينة، وهم على عهد، وقد يخالفون كعادتهم، وهناك أهل مكة حديثو عهد بجاهلية، وهناك الغنائم الضخمة المتروكة في وادي الجِعْرانة.


وهذه مشاكل ضخمة وكثيرة، ولا يستطيع الرسولأن يترك كل هذه الأمور. ماذا يفعل الرسول؟ فقد طال حصار الطائف حتى وصل في بعض التقديرات -في رواية مسلم عن أنس t- إلى أربعين يومًا كاملة في حصار الطائف، ولا فائدة.


الرسول يستشير أحد أصحابه
استشار الرسولأحد أصحابه من أصحاب الخبرة العسكرية والرأي السديد، وحينما تسمع اسم هذا الصحابي الذي استشاره الرسولسينتابك العجب لا محالة، إنه أمر عجيب! استشار الرسولنوفل بن معاوية الديليّ t. ونوفل بن معاوية الديلي t كان زعيم بني بكر، وهي القبيلة التي كانت متحالفة مع قريش بعد صلح الحديبية، وقاد قومه بني بكر لقتل خزاعة، والذي كان سببًا في نقض صلح الحديبية، والذي ردَّ بالردِّ الكافر على قومه، عندما قالوا له: يا نوفل، إلهك إلهك.


فقال: يا بني بكر، لا إلهَ لكم اليوم.


هذا هو نوفل بن معاوية الذي ارتكب كل هذه الجرائم منذ شهرين أو ثلاثة في شهر شعبان سنة 6هـ، والذي كان سببًا في خروج الرسولإلى فتح مكة المكرمة، ثم حُنين، ثم الطائف. وسبحان مُقلِّب القلوب ومُصَرِّفها! أسلم نوفل بن معاوية بعد هذا التاريخ الأسود مع المسلمين، وحسن إسلامه، وانضم إلى الجيش المسلم، وأصبح مستشارًا أمينًا لرسول الله، وإن كنا نعجب من تحوُّله من الكفر إلى الإيمان، ومن الغدر إلى الأمانة، ومن حلفه مع قريش إلى دخوله في الإسلام، فالعجب كل العجب، والانبهار كل الانبهار في الدرس الذي يعطيه لنا معلم البشرية، وسيد الخلق محمد، ونرى التوظيف الرائع من الرسوللكل الطاقات التي حوله.


وقد رأيناهيولِّي عمرو بن العاص t قيادة سرية ذات السلاسل، ولم يمر على إسلامه شهورٌ قليلة. ورأيناه يقرِّب خالد بن الوليد في كل أموره، حتى قال خالد: "والله ما كان رسول اللهمن يوم أسلمت يعدل بي أحدًا من أصحابه فيما حَزَبَهُ"[7].


وهذا إحساس صادق من خالد بن الوليد، ومن المؤكَّد أن الرسولكان يسأل أصحابه مثل أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وعلي، وغيرهم أكثر من استشارته لخالد بن الوليد، ولكن الرسولكان يُشعِره دائمًا بقيمته وأهميته. ورأيناهيولي عَتَّاب بن أَسِيد t على مكة المكرمة، ولم يكن قد أسلم إلا منذ أيام قليلة. وهكذا يكون التعامل مع الرجال، خاصةً الذين يتمتعون بملكات قيادية، فإن لم يستفد منهم المسلمون، فقد يكونون وبالاً على الأمة. وقد بلغ الرسول-والله- قمة الحكمة في التعامل مع الناس، وقمة الحكمة في إنزال الناس منازلهم، وقمة الحكمة في الاختيار من بين آرائهم.


وكان من نتيجة هذه السياسة الحكيمة أن نوفل بن معاوية القائد العسكري المحنك يُدلِي برأيه في قضية تنفع الإسلام والمسلمين، ولو كان القائد غير رسول اللهلتتبع قوّاد الجيش المعادي بالقتل والإبادة والسجن والتعذيب، ولكن الرؤية كانت واضحة جدًّا عند رسول الله"لأَن يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ"[8].


إنها سياسة نبوية ثابتة ومستقرة.


ماذا قال نوفل بن معاوية لرسول الله؟


قال: "يا رسول الله، هم ثعلب في جُحرٍ، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك".


أي أن أهل ثقيف مثل الثعالب في مكرهم، وهذا حقيقي ومشهور عنهم وسط العرب، حتى قال عنهم عُيَينة بن حصن: "إن ثقيفًا قومٌ مناكير"[9]. أي أصحاب دهاء وفطنة ومكر. ورأينا طرفًا من هذه الفطنة، وهذا الدهاء في هذا الحصار الصعب، وهذه المقاومة الشرسة. ثم إنه يؤكد أنه لا مهرب لهم من هذه الحصون: إن أقمت عليه أخذته.


غير أنه يشير إلى شيء في غاية الأهمية، يقول: إن شوكة ثقيف وهوازن قد كُسرت، ومعنوياتهم هبطت إلى الحضيض، ولن تقوم لهم قائمة بعد اليوم، وطارت فضيحتهم في الآفاق؛ لذلك قال نوفل في نظرة عميقة وتحليل دقيق: وإن تركته لم يضرك.


أي لو صبرت على الحصار، فستصل إلى مرادك، وستفتح الحصن؛ لأن خطرهم أصبح معدومًا، وسوف يضيع الوقت في حصارهم، وقد يكون طول الحصار ضارًّا للجيش الإسلامي أكثر من نفعه. وهنا يعقد الرسولموازنة بين الأمرين، فيجد أن بقاءه في هذه البلاد أكثر من ذلك سيوقع الدولة الإسلامية في أضرار أكثر من الفوائد المحصلة.


الرسول يأمر برفع الحصار عن الطائف
هنا يأخذ الرسولالقرار الصعب بالانسحاب إلى وادي الجعرانة حيث غنائم المسلمين، وترك حصار الحصن المنيع الطائف. وكان الرسولفي منتهى الحسم في هذا القرار، حتى إنه بسرعة أرسل إلى عمر بن الخطاب أن ينادي في الناس ويقول: "إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ".


فما ردُّ فعل المسلمين على هذا الكرم؟ نجد أن المتحمسين والعاطفيين من أبناء الجيش الإسلامي لم يستريحوا لهذا الخبر، فأتوا بسرعة الرسولَ، وقالوا في استنكار: نذهب ولا نفتحه؟


فلما رآهم الرسولكثرةً احترم رأيهم، وأراد أن يتعلموا الدرس بصورة عملية، فقال لهم: "اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ".


فسمح لهم بالقتال. وفي اليوم الثاني خرج المسلمون للقتال، وفي هذا اليوم بالذات أصيب المسلمون إصابات شديدة، إصابات بالغة فعلاً، وقام الرسول، ولم يعنِّفهم على القرار الذي رغبوا فيه، ولم يقل لهم: ألم أقل لكم؟ وإنما قال في بساطة: "إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ"[10].


وقَبِل المسلمون هذه المرة في سرور، وامتنعوا عن الجدل، واقتنعوا بعدم جدوى القتال، وبدءوا فعلاً في جمع الرحال، ورسول اللهيضحك.


وقفة مع هذا الموقف
ونقف وقفة مع هذا الموقف العظيم، والرسوليعلمنا في هذا الموقف أشياء مهمة. يريد الرسولأن يعلمنا الواقعية في الحياة، فليس عجيبًا أبدًا أو غريبًا أن تفشل في أمر من الأمور، وليس بالضرورة أن تكون كل معاركنا، أو كل مشاريعنا ناجحة، لكن المهم ألاّ نغرق في العمل دون إدراك الواقع أنه غير قابل للتحقيق، وليس معنى هذا سرعة اليأس، ولكن الرسولبذل كل ما في الوسع، واستخدم كل وسيلة لفتح الحصن، ولكن الله لم يشأ، ولم ينجح المسلمون في فتحه، فقَبِل في واقعية جميلة جدًّا أن ينسحب.


وهذا فرقٌ كبير بين المصابرة وبين تضييع الوقت؛ إن المصابرة على أداء عمل أمر مطلوب، ولكن لا بد أن تكون هناك مؤشرات للنجاح، ولا بد أن تكون هناك مقاييس تشير إلى أن هذا العمل قابل للتحقيق، ولا بد أن تكون الخسائر أقل من الفوائد؛ فلذلك لا بد من المتابعة والملاحظة والتقييم المستمر. أما تضييع الوقت والاستمرار في عمل لا يمكن تحقيقه بالإمكانيات المتاحة، أو يتسبَّب في خسائر أكبر من الفوائد، فلا داعي للإصرار على الاستمرار في هذا العمل طالما أن هناك خسائر ضخمة.


ونحن نلاحظ كيف يُعَلِّم الرسولالصحابة y، فقد تركهم النبييحاولون، وهو يعرف أن فتح الحصن صعب جدًّا، ولكنه تركهم ليعيشوا معه في واقعيته. ولما أيقن الصحابة صعوبة المهمة، ووافقوا على الرحيل، وهم راضون، قام الرسولليفك الحصار، ويغادر الطائف وهو يضحك. سبحان الله!


هذه القيادة الهادئة تبثُّ الأمن والراحة في قلوب الجنود، ليس هناك انفعال ولا عصبية، ولا تحميل الآخرين أخطاء لم يعملوها، وليس هناك حالة غضب، ولا حالة يأس أو إحباط، ولا حالة من الحزن، ولا كلمة لو؛ لو كنا فعلنا كذا لكان كذا وكذا، فإنها تفتح عمل الشيطان، ولكن هناك هدوء أعصاب وثقة وقدرة على التكيف في كل الظروف.


الحكمة الإلهية من فك الحصار
والحقيقة أننا سعداء بعدم فتح الطائف، وفك الحصار عنها، ومن الممكن أن نستغرب هذا الكلام؛ لأن عدم فتح الطائف له فوائد من عدة أمور:


أولاً: لو فتحت الطائف في هذه الظروف الصعبة، والقتال الشرس، والمطاردة لهوازن وثقيف، ودار القتال في داخل الحصون، لقُتل فيها ما لا نتخيل، ولفقد الإسلام قوة هؤلاء جميعًا؛ لأن كل هؤلاء قد أسلموا بعد ذلك، ولو فتح المسلمون الطائف عَنْوةً لقُتلوا ولفقد الإسلام قوتهم، ولكان عاقبتهم النار، ولكان هذا أسوأ وأشد.


ثانيًا: كان هذا الانسحاب دون إتمام المهمة كما نريد، قد فتح لنا بابًا وسُنَّة نتبعها إن تعرضنا لنفس الموقف. فلو أصرَّ الرسولعلى عدم الانسحاب حتى يفتح الحصن، لكان في هذا حرجٌ كبير للأمة الإسلامية؛ لأنه سيكون لزامًا علينا ألاّ ننسحب، ولكن بهذا الفعل منهترك الأمر لقادة المسلمين ولرأي الشورى، فإن رأى المسلمون أن الحصار يُجدي صبروا كما حدث في فتح خيبر، وإن رأوا أن الأمر غير مُجْدٍ، أو أن الخسائر ستكون كبيرة كما حدث في الطائف، فلهم في كلتا الحالتين أسوة في رسول الله.


الرسول يدعو لأهل الطائف بالهداية
ولنا وقفة مهمة مع موقف في منتهى الرقي من مواقفهوهو يغادر الطائف، قال له بعض الصحابة -والصحابة رضوان الله عليهم يملأ قلوبهم الغيظ لعدم التمكُّن من فتح الحصن-: يا رسول الله، ادعُ الله على ثقيف.


فقالفي هدوء، وفي حبٍّ، وفي أمل: "اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَأْتِ بِهِمْ"[11].


ما غابت عنه رسالته قَطُّ، فهو يريد أن يصل بدعوته إلى الناس لا أن يقتلهم، حتى وإن رفض أهل الطائف الإيمان، واستكبروا عنه، وقاوموا وقاتلوا. فالرسولما زال يرجو إسلامهم، حتى مع مرور السنين تلو السنين، ما زال يرجو إسلامهم، حتى مع ذكريات الطائف في الزيارة الأولى، ومع واقع الطائف في الزيارة الثانية، ما زاليرجو إسلامهم. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة t أن رسول اللهقال: "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ، وَيَغْلِبْنَهُ وَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجُزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا"[12].


أهل الطائف يدفعون أنفسهم في النار، يقتحمون فيها، والرسولحريص عليهم أكثر من حرصه على نفسه. ولم يكن هذا الموقف موقفًا عارضًا في حياته، إنهأَبَى أن يُهلك الطائف ومكة المكرمة حتى بعد أن عرض عليه ذلك ملك الجبال وجبريل عليهما السلام، وفعل ذلك أيضًا قبل ذلك مع قبيلة دوس عندما رفضوا الإسلام، قال: "اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ"[13].


وفعل ذلك مع قريش بعد أن قتلت سبعين من خيار الصحابة في أُحد، قال: "اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي، فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ"[14].


صدق الله العظيم الذي يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. ليس رحمة للمسلمين فقط، ولكن رحمة لكل البشرية، ولكل الإنسانية.


د. راغب السرجاني


--------------------------------------------------------------------------------

[1] البخاري: كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه (3059)، ترقيم مصطفى البغا. مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبيمن أذى المشركين والمنافقين (1795)، ترقيم فؤاد عبد الباقي.

[2] ابن قيم الجوزية: زاد المعاد، مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، الطبعة السابعة والعشرون، 1415هـ- 1994م، 3/33.

[3] أي يمزق.

[4] ابن هشام: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، دار المعرفة - بيروت، القسم الأول (الجزء الأول والثاني) ص419.

[5] ابن القيم: زاد المعاد 3/433.

[6] السابق نفسه، الصفحة نفسها.

[7] ابن كثير: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة - بيروت، 1396هـ- 1971م، 3/453.

[8] البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب فضل من أسلم على يديه رجل (2847). مسلم: كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل عليّ بن أبي طالب t (2406).

[9] ابن كثير: السيرة النبوية 3/662.

[10] ابن قيم الجوزية: زاد المعاد 3/497.

[11] ابن هشام: السيرة النبوية، القسم الثاني (الجزء الثالث والرابع) ص488.

[12] البخاري: كتاب الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي (6118). مسلم: كتاب الفضائل، باب شفقته r على أمته ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم (2284).

[13] البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم (2779). مسلم: كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع ومزينة وتميم ودوس وطيِّئ (2524).

[14] المباركفوري: الرحيق المختوم، دار الوفاء - مصر، الطبعة السابعة عشرة، 1426هـ- 2005م، ص240.

  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الله, الرسول, عليه, غزوات, وسلم

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

 
تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة

 


Loading...


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc. Designed & TranZ By Almuhajir
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
المواضيع المطروحة في المنتدي تعبر عن راي اصحابها والمنتدي غير مسئول عنها

a.d - i.s.s.w

   

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32